خاتمة
إن الشرط الجزائي، والتعويض التأخيري المترتب على التأخير في سداد الدين من جهة المدين المماطل لا يجوزان شرعًا، لما قدمنا من أدلة المانعين، وهي أدلة قوية لا تنهض على معارضتها أدلة المجيزين، ولأن تسمية الشرط الجزائي، بالتعويض عن الضرر، أو بالتعويض عن التأخير لا تغير من كونه شرطًا تضمن إلزام المدين المماطل بدفع مبلغ من المال لقاء امتناعه عن دفع الدين أو التأخير فيه، وهو لا يختلف عن الربا الذي كانت تعرفه العرب وتفعله، سواء - في ذلك - قرض الدراهم والدنانير إلى أجل بزيادة على مقدار ما استقرض على ما يتراضون به، أو كانت الزيادة نظير تأجيل الدين المستحق باتفاق لاحق، قبل استحقاق الدين أو عند استحقاقه، لذلك قال الله تبارك تعالى: (وَمَا آتَيْتُم مِّن رِّبًا لِّيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِندَ اللَّهِ) أخبر سبحانه أن تلك الزيادة المشروطة إنما كانت ربا في المال العين؛ لأنه عوض لها من جهة المقرض، وقال تعالى: (لاَ تَاكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُّضَاعَفَةً) إخبار عن الحال التي خرج عليها الكلام من شرط الزيادة أضعافًا مضاعفة، فأبطل الله تعالى الربا الذي كانوا يتعاملون به، وأبطل ضروبًا أخرى من المبيعات وسماها ربا، فانتظم قوله تعالى: (وَحَرَّمَ الرِّبَا) تحريم جميع الربا، لشمول الاسم عليها من طريق الشرع سواء [1] أكان في الصرف أم في القرض، أو في السلم، أو في جميع البيوع، وفيما تقرر في الذمة من الديون [2] .
قال ابن عبد البر:"وكل زيادة من عين أو منفعة يشترطها المسلف على المستسلف فهي ربا لا خلاف فيه" [3] ، ولما كانت مفسدة الربا كبيرة، وجاء تحريمه شديدًا في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم فقد شدد الفقهاء فيه حق التشديد، ومنعوا الاحتيال له بكل
(1) الجصاص/أحكام القرآن، ج2، ص183، 184، طبعة دار المصحف.
(2) المقدمات الممهدات، ج2، ص501، ابن رشد.
(3) الاستذكار ج6 ص516، 335، 336، 338 وما بعدها، 379.