المدين عن الوفاء بدينه في وقته، أو تأخيره فيه، لذلك لم يجز أن يعطى - في مثل هذه الحالة - تعويضًا، لأنه إذا أُعطي كان أخذ مال لا في مقابلة مال، فيكون من أكل أموال الناس بالباطل، وهو محظور [1] ، أو كان أخذ مال في مقابل الأجل، وهذا من ربا النسيئة، وهو ممنوع بالإجماع، وأخذ المال في مقابل من تعاقد معه على أن يقوم له بتنفيذ ما التزم به لا تزول به آثار ذلك الامتناع، ويصير به الممتنع قائمًا منفذًا لالتزامه، ولما كان ظلم المدين المماطل غير قابل للجبر بالتعويض، وهو جريمة في نظر الشرع، فإن الشريعة سعت لدرئه بالعقوبة التعزيرية الزاجرة، وهذا مقصود حديث النبي صلى الله عليه وسلم:"لي الواجد يحل عرضه وعقوبته" [2] .
قال النووي:"قال العلماء: يحل عرضه، يقول: ظلمني، ومطلني، وعقوبته الحبس والتعزير [3] ، وعلى هذا المعنى أهل الفقه والحديث. ولم أقف على رأي واحد لأحد من العلماء المتقدمين يقول بجواز التعويض المالي بدلًا من التأخير في سداد الدين، ولا يمكن حمله على العقوبة التعزيرية؛ لأن مصدر العقوبة التعزيرية الحاكم لا الشرط، ومصرفها المال العام لا الدائن، وغايتها الزجر لا التعويض."
أما ما اعتمد عليه المجيزون من القول: بأن الأصل في الشرط الصحة واللزوم فإني أوافقهم عليه، ولكن قاعدة تصحيح الشروط مقيدة بما لا يحل حرامًا أو ينافي كتاب الله وشرطه، بأن يكون المشروط مما حرمه الله تعالى، فإذا كان كتاب الله قد دل على تحريم هذا المشروط بخصوصه وعمومه، لم يدخل في العقود التي أمر الله بالوفاء بها؛ لأنه تعالى لا يأمر بالوفاء بما حرمه، فمن اشترط شيئا ينافي كتاب الله فإن شرطه يكون ممنوعا شرعًا، ولا يحل الوفاء بالمشروط، والمشروط من الشرط الجزائي مبلغ من المال نظير الأجل، وليس نظير مال أو بدل تالف، فهو إما أن يكون أكلًا لمال الغير بغير حق، وهو حرام، أو هو من ربا النسيئة، وهو حرام - أيضا - بالإجماع، وإذا صح هذا فإن الشرط الجزائي لا يكون مباحًا، بل حرامًا، لأنه مخالف لكتاب الله، أو أحل ما حرم الله، وعلى هذا فإن الأدلة النافية لتحريم العقود والشروط والمثبتة لحلها مخصوصة بجميع ما حرم الله ورسوله من العقود والشروط، فلا ينتفع بأنواع هذه المسائل إلا مع العلم بالحجج الخاصة في ذلك النوع [4] .
إن مقصود الشروط وجوب ما لم يكن واجبًا ولا حرامًا [5] ، والشرط الجزائي حرام؛ لأنه من الربا، فإن قلنا بجوازه، فقد أوجب الشرط ما كان حرامًا في شرع الله، لأن القاعدة فيه أن كل ما كان حرامًا بدون الشرط فالشرط لا يبيحه، كالربا [6] ، إذ العقد والشرط يرفع موجب الاستصحاب، ولكن لا يرفع ما أوجبه كلام الشارع [7] ، وقد اوجب الشارع ترك الربا بقوله تعالى: (وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا) ، والشرط الجزائي منه.
ب- مناقشة أدلة المانعين من جواز التعويض التأخيري:
لم يسلم المجيزون بما قاله المانعون من أن شرط (التعويض التأخيري) ربا نسيئة، أو ربا قرض، وبينوا أنه يختلف عنه من وجهين:
(1) علي الخفيف/الضمان، ص56.
(2) صحيح مسلم بشرح النووي، 10، ص227.
(3) شرح النووي، على صحيح مسلم، ج10، ص277، وانظر الاستذكار ج6، ص492 لابن عبد البر، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1 سنة 2000 م.
(4) ابن تيمية/القواعد النورانية الفقهية، ص211 ط1 سنة 1951.
(5) القواعد النورانية، ص198.
(6) القواعد النورانية، ص 199.
(7) القواعد النورانية، ص200.