الفريق الثاني: المانعون:
وقد ذهب إلى القول بعدم جواز هذا التعويض كل من: على الخفيف [1] ، وزكي الدين شعبان [2] ، ونزيه حماد [3] ، ومحمد شبير [4] ، وأيدهم فيه من الاقتصاديين: رفيق المصري [5] ، ومن أهل القانون: عبد الناصر العطار [6] .
وقد استدل هذا الفريق لرأيه بأن التعويض التأخيري من نوع ربا النسيئة المحرم، كما أن القول به يستبعد المؤيدات الشرعية لحمل المدين المماطل على أداء الدين، كما أن فتح باب التعويض التأخيري قد يصبح ذريعة للربا المحرم.
المناقشة والترجيح:
أ- مناقشة أدلة المجيزين:
بنى الفريق الأول رأيه على مبدأ مسلم في الفقه الإسلامي، وهو مبدأ التعويض عن الضرر الواقع، اعتمادًا منهم على أن المطل في الدين ظلم، وقد تسبب الدائن بمطله هذا بالضرر، لأن الرأي قائم على أن التعويض مبني على الضرر الواقع لا المتوقع، ومن تسبب بالضرر كان ضامنًا وفقًا لقواعد الضمان، ولذلك قاسوه على الغصب، بجامع أن كلًا منهما متعدٍ، أو متسببٌ بالضرر بتفويت منفعة المال على صاحبه.
وبإنعام النظر فيما قاله المجيزون نجد أنهم يوافقون أهل القانون باعتمادهم على المسؤولية العقدية التي يقوم الضمان فيها على أساس أنه تعويض عن ضرر نشأ عن عدم تنفيذ المدين ما التزم به بناء على العقد، ولذا فإن المسؤولية العقدية يتطلب في وجودها وجود عقد صحيح واجب التنفيذ، لم يقم عاقده بتنفيذه.
والواجب هنا أداء مال، امتنع المدين عن أدائه، أو تأخر في أدائه، فإن اشترط العاقدان في العقد الأصلي جزاء ماليًا على المدين لقاء التأخير أو قدَّره نص القانون، فإن المدين يلزم به، وإن أحيل التقدير في العقد على القاضي، فالقاضي هو الذي يقدره، وإن أحيل به على لجنة تحكيم فهي التي تقدره ولجنة التحكيم - هنا - كالقاضي، ويناط هذا التقدير بعنصرين، قوامهما: ما لحق الدائن من خسارة، وما فاته من ربح، ويشترط لاستحقاق التعويض أن يكون الضرر نتيجة طبيعية لعدم الوفاء بالالتزام، أو للتأخير فيه، سواء أكان أساسه فوات هذا المكسب أم تحقق تلك الخسارة [7] .
لكن هذا الذي ذهب إليه القانون وشراحه لا تبيحه الأصول الشرعية التي تقضي بأن أخذ المال لا يكون إلا تبرعًا، أو في مقابلة مال، أخذ أو أتلف، وإلا كان أكلًا له بالباطل؛ لأن أصل التعويض في نظر فقهاء الشريعة هو مقابلة المال بالمال [8] ، وبناء عليه فليس على المدين تعويض مقابل أجل يعطاه للوفاء، أو جزاء تأخير الوفاء، وإن ترتب على ذلك ضرر بالدائن، والتعويض لا يستحق نظير ما فات الدائن من ربح وما أصابه من خسارة، إلا إذا نشأت الخسارة عن هلاك الشيء [9] ، ولما كان الالتزام أداء مقدار من النقود: فإن التنفيذ العيني ممكن في ذاته، وهذا ظاهر في
(1) الضمان في الفقه الإسلامي، دار الفكر العربي سنة 1997، ص19،20.
(2) بحث الشرط الجزائي - مرجع سابق ص137.
(3) نزيه حماد/قضايا فقهية معاصرة في المال والاقتصاد، دار القلم - دمشق ط2001، 1، ص351.
(4) نقلًا عن شبير، مرجع سابق، ج2، ص873.
(5) نقلًا عن شبير، مرجع سابق، ص866، 867.
(6) نقلًا عن شبير، مرجع سابق، ص866، 867.
(7) المذكرة الإيضاحية للقانون المدني الأردني ج1، ص401، ط2، سنة 1985م.
(8) علي الخفيف/الضمان، مرجع سابق، ص20.
(9) نزيه حماد/قضايا فقهية معاصرة في المال والاقتصاد، ص353، 354.