الصفحة 13 من 13

نَهَارًَا أن لا تُمسِي حَتَى تَركَبَ إليَّ"، فَلمَّا قَرَأ الكِتَابَ قَالَ:"يَرحَمُ اللهُ أمِيرَ المُؤمِنينَ! يُرِيدُ بَقَاءَ قَومٍ لَيسُوا بِبَاقِينَ!""

قَالَ: ثُمَّ كَتَبَ إليهِ أبُو عُبَيدَةَ:"إنِّي في جَيشٍ مِن جُيُوشِ المُسلِمِينَ، لَستُ أرغَبُ بِنَفسِي عَن الذِي أصَابَهُم". فَلَمَّا قَرَأ الكِتَابَ استَرجَعَ- وفي رِوَايَةٍ: بَكَى- فَقَالَ النَّاسُ: مَاتَ أبُو عُبَيدَةَ؟ قَالَ:"لا، وكأنْ قَد!".

ثُمَّ كَانَ كَتَبَ إليهِ بِالعَزِيمَةِ:"فَاظهَرَ مِن أرضِ الأردُنِّ فإنَّهَا عَمِيقَةٌ وَبِيئةٌ، إلى أرضِ الجَابِيَةِ فإنَّهَا نَزهَةٌ نَدِيَةٌ"، فَلَمَّا أتَاهُ الكِتَابُ بِالعَزِيمَةِ، أمَرَ مُنَادِيَهُ فأذَّنَ فِي النَّاسِ بِالرَحِيلِ، فَلَمَّا قَدِمَ إليه- أي: إلى رَحلِهِ- لِيَركَبَهُ؛ وَضَعَ رِجلَهُ فِي الغَرْزِ [1] ثَنَىَ رِجلَهُ فَقَالَ:"مَا أرَى دَاءَكُم إلَّا قَد أصَابَنِي".

قَالَ طَارقُ بنُ شِهَابٍ: وَمَاتَ أبُو عُبَيدَةَ وَرَجَعَ الوَبَاءُ عَنِ النَّاسِ [2] .

وَكَانَت وَفَاتُهُ - رضي الله عنه - فِي آخِر السَنَةِ الثَامِنَةِِ عَشرَةَ للهِجرَةِ [3] ، وَعَاشَ ثَمَانِيًَا وَخَمسِينَ سَنَةً رَضِيَ اللهُ عَنهُ وَأرضَاهُ.

وقَبرُهُ اليوُمَ فِي غَورِ البَلاونَةِ عَلى الطَرِيقِ العَامِّ الذي يَقطَعُ الغَورَ مِنَ الشَمَالِ إلى الجَنُوبِ، وَعَلَى بُعدِ أربَعِينَ كِيلًَا مِن مَدِينَةِ السَلطِ، شَرقَ نَهرِ الأُردُنْ [4] .

وَكَانَ الظَاهِرُ بِيبَرس (المُتَوَفَّى سَنَةَ 676هـ) قَد بنى عليه مَشهَدًَا وَوَقَفَ عَلَيهِ أشَيَاءَ لِلوَارِدِينَ إليهِ [5] ، قاَلَ الإمامُ أبو زكريا النَوَوِيُّ رَحِمَهُ اللهُ تعالى:"وَعَلَى قَبرِهِ مِنَ الجَلَالِةِ مَا هُو لائِقٌ بِهِ، وَقَد زُرتُهُ فَرَأيتُ عِندَهُ عَجَبًا" [6] .

وَكَانَ الفَرَاغُ مِن كِتَابَةِ هَذِهِ التَرجَمَةِ يَومَ الأحَدِ 11/شوال /1426هـ

وَالحَمدُ للهِ رَبِ العَالَمِينِ

وَكَتَبَ: أبُو الحَسَنَاتِ الدِمَشقِيُّ

(1) الغرز: ركاب الدابة، أي أن الداء أصاب قدمه فجعله يثنيها.

(2) أخرجه الحاكم (5146) والطبري في «تاريخه» (2/ 487 - 488) وابن عساكر (25/ 484 - 485) وقال الحاكم:"رواة هذا الحديث كلهم ثقات، و هو عجيب بمرة"، وقال الذهبي في التلخيص:"على شرط الشيخين".

(3) قال ابن حجر:"وأرَّخَه بعضهم سنة سبع عشرة، وهو شاذ" «الإصابة» (2/ 244) .

(4) «أبو عبيدة» لمحمد شُرَّاب ص238.

(5) «البداية والنهاية» (13/ 276) ، «الوافي في الوفيات» ص1443.

(6) «تهذيب الأسماء واللغات» (2/ 259) ، والنووي رحمه الله كان قد عاش في زمن الظاهر بيبرس.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت