الصفحة 12 من 13

وَكَذَا مَرَّةً" [1] ."

ذِكرُ خَبَرِ طَاعُونِ عِموَاسِ وَوَفَاةُ َأبِي عُبَيْدَةَ - رضي الله عنه:

عَن عَبدِ اللهِ بنِ عَبَّاسٍ - رضي الله عنه - أنَّ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ - رضي الله عنه - خَرَجَ إلى الشَامِ حَتَى إذا كَانَ بِسَرْغ [2] لَقِيَهُ أمَرَاءُ الأجنَادِ: َأبو عُبَيْدَةَ بنُ الجَرَّاحِ وأصحَابُهُ فَأخبَرُوهُ أنَّ الوَبَاءَ قَد وَقَعَ بِأرضِ الشَامِ.

قالَ ابنُ عَبَّاس: فَقَالَ عُمَرُ: ادْعُ ليَ المُهَاجِرينَ الأوَّلينَ. فَدَعَاهُم فَاستَشَارَهُم وَأخبَرَهُم أنَّ الوَبَاءَ قَد وَقَعَ بِالشَامِ، فَاختَلَفُوا: فَقَالَ بَعضُهُم: قَد خَرَجتَ لأمْرٍ، وَلا نَرىْ أنْ تَرجِعَ عَنهُ، وَقَالَ بَعضُهُم: مَعَكَ بَقِيَّةُ النَّاسِ، وَأصحَابُ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -، وَلا نَرَى أنْ تُقدِمَهُم عَلَى هَذَا الوَبَاءِ. فَقَالَ: ارتَفِعُوا عَنِّي.

ثُمَّ قَالَ: ادعُ ليَ الأنصارَ. فَدَعَوتُهُم، فَاستَشَارَهُم، فَسَلَكُوا سَبِيلَ المُهاجِرينَ، واختَلَفُوا كاختِلَافِهِم، فَقَالَ: ارتَفِعُوا عَنِّي.

ثُمَّ قَالَ: ادعُ ليَ مَنْ كَانَ هَا هُنَا مِن مَشيَخَةِ قُريشٍ؛ مِن مُهاجِرَةِ الفَتحِ. فَدَعَوتُهُم، فَلم يَختَلِف مِنهُم عَليهِ رَجُلانِ، فَقَالُوا: نَرَى أنْ تَرجِعَ بِالنَّاسِ وَلا تُقدِمَهُم عَلَى هَذَا الوَبَاءِ.

فَنَادَى عُمَرُ في النَّاسِ: إنِّي مُصبِحٌ عَلى ظَهرٍ فَأصبحُوا عَليهِ، قَالَ أبو عُبَيْدَةَ بنُ الجَرَّاحِ: أفِرَارًَا مِن قَدَرِ اللهِ؟! فَقَالَ عُمَرُ: لَو غَيرَكَ قَالَهَا يَا أبَا عُبَيدَةَ! نَعم، نَفِرُ مِن قَدَرِ اللهِ إلى قَدَرِ اللهِ، أرَأيتَ لَو كَانَ لَكَ إبلٌ هَبَطَتْ وَادِيًا لَه عَدوَتَان: إحدَاهُمَا خَصبَةٌ والأُخرَى جَدْبَةٌ، أليسَ إنْ رَعَيَتْ الخَصبَةَ رَعَيَتْهَا بِقَدَرِ اللهِ، وَإنْ رَعَيَتْ الجَدْبَةَ رَعَيَتْهَا بِقَدَرِ اللهِ؟ قَالَ: فَجَاءَ عَبدُ الرحمنِ بنُ عَوفٍ -وَكَانَ مُتَغَيِّبًَا في بَعضِ حَاجَتِهِ- فَقَالَ: إنَّ عِندِي فِي هَذَا عِلمًَا؛ سَمِعتُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ:"إذا سَمِعتُم بِهِ بِأرضٍ فَلَا تَقدُمُوا عَلَيهِ، وَإذِا وَقَعَ بِأرضٍ وَأنتُم بِهَا فَلَا تَخرُجُوا فِرارًا مِنهُ".

قال: فَحَمِدَ اللهَ عُمَرُ، ثُمَّ انصَرَفَ [3] .

وَقَد حَاوَلَ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ - رضي الله عنه - أنْ يَثنِيَ أبَا عُبَيدَةَ عَن رَأيِهِ، وَلَكِنَّهُ أصَرَّ عَلَى البَقَاءِ مَعَ جُندِهِ، فَعَن طَارِقِ بنِ شِهَابِ - رضي الله عنه - قَالَ: أتَانَا كِتَابُ عُمَرَ لَمَّا وَقَعَ الوَبَاءُ بِالشَامِ، فَكَتَبَ عُمَرُ إلى أَبِي عُبَيدَةَ:"أنَّهُ قَد عَرَضَت لِي إليكَ حَاجَةٌ لا غِنَى لِي بِكَ عَنهَا فَإذَا أتَاكَ كِتَابِي هَذَا فَإنِّي أعَزِمُ عَلَيكَ إنْ أتَاكَ لَيلًا أنْ لا تُصبِحَ حَتَّى تَركَبَ، وَإذِا أتَاكَ"

(1) أخرجه أبو نعيم في «الحلية» (1/ 102) وابن أبي شيبة (34623) وهو مرسل.

(2) هي منطقة أول الحجاز وآخر الشام بين المغيثة وتبوك من منازل حاج الشام. «معجم البلدان» (3/ 212) .

(3) أخرجه مالك (1587) وأحمد (1683) والبخاري في «صحيحه» (6572،5397) وفي «التاريخ الصغير» (184) ومسلم (2219) وابن حبان (2953) وأبو يعلى (837) والبيهقي (6348) والطحاوي في «شرح معاني الآثار» (6527) وابن عساكر (34/ 69) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت