ورحمة الله على محدِّث الفقهاء، وفقيه المحدثين في زمانه أبي عبد الله أحمد بن حنبل حين وقعت له فتنة خلق القرآن فثبت ثبوت الجبال الرواسي، وأفتى بكفرِ مَنْ قال: إن القرآن مخلوق. وتوقَّفَ أُناسٌ في القرآن وأمسكوا، فلم يقولوا بأنه غير مخلوق أو مخلوق، وقد كانوا طوائف، فمنهم مَنْ وَقَفَ مُطلقًا ولم يصرح بشيء، مُدَّعِيًا أنَّ الأمر لم يتبين له!! وطائفةٌ قالت: إن القرآن كلام الله فقط.
وقد كانت القضية عند الإمام أحمد وأمثاله من الأئمة الأعلام من الأمور المعلومة من الدين بالضرورة، مما جعل الإمام أحمد يحكم بكفر مَنْ توقَّف في قضية خلق القرآن.
فعن يعقوب بن بختان قال: (سألت أبا عبد الله عن الرجل يقف. قال: هذا عندي شاكٌّ مرتاب) [1] .
وعن أحمد بن محمد بن الليث قال: (سُئل أحمد ابن حنبل وأنا حاضر عن الواقفة فقال: الواقفة والجهمية واللفظية عندنا سواء) [2] .
وقال أبو حاتم الرازي: (قال مصعب: هؤلاء الذين يقولون في القرآن: لا ندري مخلوق أم غير مخلوق، هم عندنا شَرٌّ مِمَّن يقول مخلوق. يُسْتَتَابون، فإن تابوا وإلا ضُرِبَت أعناقهم) [3] .
وكذلك قال الإمام إسحاق بن راهويه حين سُئل عن الرجل يقول: القرآن كلام الله ويقف؟ قال: (هو عندي شرٌّ مِنَ الذي يقول مخلوق؛ لأنه يقتدي به غيره) [4]
وهذا قول أهل العلم: أنَّ مَنْ تَوَقَّفَ في القرآن فهو كافر بالله العظيم، وهو قول أهل المدينة، وأهل الكوفة، وأهل بغداد، وأهل مصر، وأهل الشام، وأهل الجزيرة، وأهل خراسان وأهل الثغور. [5]
(1) المسائل والرسائل المروية عن الإمام أحمد في العقيدة 1/ 254
(2) المصدر السابق 2/ 255
(3) شرح اعتقاد أهل السنة والجماعة للالكائي 1/ 358
(4) المصدر السابق 1/ 362
(5) انظر بتوسع المصدر السابق 1/ 357 - 363