قلت: فحيث كانت هذه الحكاية مردودة مقطوعا بعدم صحتها ، معترضا على ناقلها ، فما وجه نقلها مسلمة ، والاحتجاج بها ، ومعلوم أنّ عدالة الخطيب لا تقضي بصحة كل ما في تاريخه ، إذ من المعلوم حتى للعوام أنّ كتب التاريخ لم توضع على شرط الصحة ، بل تجمع الصحيح وغيره ، وعدالة إبراهيم بعد تسليمها لا تقضي بصحة ما يقول فيه أخبرني مخبر حسبما هو موجود في جواب هذا المفتي بخطه ، فإنّ هذا لا يقبل إجماعا كما في كتب الأصول ، وبعد هذا كله فإن كان الغناء والضرب بالعود صحّ عند إبراهيم ، فليس بعدل ، ولا مقبول الشهادة عندنا حسبما نصّ على ذلك في المدونة إمامنا ، فلا / تقبل 13 شهادته عليه، وتعديل غيره لا يلزمه ، وإن لم يثبت ذلك عنه ، سقط الاحتجاج ، وارتفع النزاع ، وكفى الله المؤمنين القتال ، ثم بعد إرخاء العنان ، وتسليم هذا الهذيان ، فما مراد المفتي بالغناء الذي فعله مالك والجلة ، فإن كان المراد غناء العرب ، فهذا خروج عن الموضوع ، وإن كان المراد غناء أهل الصناعة ، أعني غناء المخانيث والعشَّاق ، وشربة الخمر ، والفسَّاق ، فخيبة الله على مَنْ ظنّ هذا الظن بالإمام ما أخسف عقله ، وما أقل حياءه ، ولعنة الله على من الحق نقصا بأحد من أئمة الدين ، وعلماء المسلمين .
وقول المفتي: وهذا التعديل من ابن عرفة مُشعر بميله إلى الإباحة.