ولعل من المناسب أخيرًا أن أشير إلى أن السفتجة عندما تطلق، ويحكم عليها بأنها جائزة، فإنما يراد بها ذات المنفعة المشتركة، حيث يكون مال الوفاء في البلد الآخر، أي ليست هناك مؤنة إضافية، من ضمان أو كراء، على المقترض. والدليل على أن هذا هو المراد هو عبارات الفقهاء أنفسهم، وقد تقدم بعضها.
أما ذات النفع المتمحض للمقترض فَبَدَهِيَّة الجواز، حيث يكون مال الوفاء في البلد الآخر، ولا مصلحة للمقرض فيه هناك.
وأما ذات النفع المتمحض للمقرض فبدهية الحرمة، حيث يتكبد المقترض نقل مال الوفاء من بلد القرض، لمصلحة المقرض فقط، مع ما في ذلك من تحمل أخطار النقل وأجوره.
هذا والعبرة في السفتجة لنقل مال الوفاء، ولا ينظر إلى نقل مال القرض إذا فعله المقترض.
ومن المفيد أن أشير كذلك إلى أن المنفعتين اللتين تُقدمهما السفتجة (وهما توفير أمن الطريق وكرائه) لا يتصور فيها انفكاك إحداهما عن الأخرى، كما وَهِمَ بعضُ الفقهاء، فلا يمكن تجويز الأمن دون الكراء، فهذا فضلًا عما فيه من خطأ، لأن كلًا منهما يعتبر منفعة مالية لا يمكن إنكارها، وتتفاوت فيهما حسب نوع مال القرض (نقد، طعام .. الخ) كما بينا أعلاه، فإنه غير متصور الوقوع في أية حالة من حالات السفتجة. فإما أن لا ينقل مال الوفاء، ويتوفر بذلك الأمن والكراء معًا لكل من الطرفين، أو لأحدهما، وإما أن ينقل، فيتكبد الخطر والكراء معًا أحدُهما أو كلاهما.
لا بد أن يلحظ القارئ العارف ما أضفناه في خلال هذا البحث إلى تراثنا الفقهي في السفتجة، من توضيح غامض، أو بسطِ مختصر، أو تفصيل مجمل، أو تصحيح خطأ، أو استخدام دليل في موضع آخر، أو ترجيح دليل على دليل، وعرض السفتجة في صورة أرجو أن يقبلها باقي الفقهاء الذين رفضوها. وهذا في مقاصد التأليف معتبر إن شاء الله.
فإن أصبت فمن الله، وإن أخطأت فعذري أني ما تعمدتُ إلا الحق والصواب، وعسى أن أصل إليهما بالمحاولات الصادقة، ومن بالغ في خوف الخطأ أخطأ، ولم يجتهد، ولم يصل إلى صواب.
وإني لأسأل الله لي ولسائر الباحثين والعلماء والمفتين أن يجعل مُتعتنا في ابتغاء الحق أقوى من كل متعة أخرى، كإرضاء ذي سلطان أو مال أو جاه أو شيخ أو عالم أو قريب أو صديق أو