الشريعة لا يعقل أن تطلب من الناس لتحقيق مقاصدها ومقاصدهم أن لا يصلوا إلى ذلك إلا بالمؤن والكلف والشكليات والتطويلات والحيل ... بل إن هذه السفتجة ليس جائزة فحسب، بل هي مستحبة، كي لا أقول واجبة. لما فيها من حفظ المال وعدم تضييعه (فقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن إضاعة المال كما في الصحيحين وغيرهما) بلا سبب إلا الجهل والإسراف والبعد عن التعاون وبذل المال للوسطاء الطفيليين، فكل المقاصد تتحقق هنا. وبلا كلفة. فلماذا لا تجوز؟
الاحتمال الثاني: أن يأخذ المقترض المبلغ، من نقود أو طعام أو غيره، ويحمله معه إلى البلد الآخر، ثم يوفي القرض فيه بعد فترة. وهذا يعني أن المقترض لم يُنفق القرض في بلد المقرض، بل حمله كله أو بعضه إلى البلد الآخر، وهذا ما يرتب عليه مؤنة النقل وضمان الطريق. فهنا يلاحظ أن المقرض في الأصل يستطيع التمسك بوفاء القرض في بلده، أو مطالبة المقترض بتحمل ما أنفقه المقرض بالمعروف لإعادة المال المسدد من البلد الآخر إلى البلد الأول، فلما رضي بالوفاء في البلد الآخر، وكانت له مصلحة في ذلك، فإن هذه المؤن التي يتكلفها المقترض لا تؤثر على جواز السفتجة، لأن موضع النظر فيها هو نقل مال الوفاء لا نقل مال القرض. ذلك أن العبرة بأن المقترض يقترض القرض في بلد المقرض، وعليه أن يفيه أصلًا في البلد نفسه، فإذا أراد حمله إلى بلد آخر، ولم ير المقرض أي مانع، بل ربما رأى في ذلك مصلحة له، فتتقابل بذلك المصلحتان أو المنفعتان: منفعة المقرض في الوفاء في البلد الآخر، ومنفعة المقترض في الوفاء في البلد الآخر، ونقل المبلغ أمر داخلي شخصي يخص المقترض نفسه، ولا علاقة له بالعلاقة الثنائية بينهما. فإذا كان عين المنفعة لأحدهما منفعة للآخر، تقابلت المنفعتان دون أن تؤثرا على أصل القرض الذي بقي بلا أية فائدة ربوية. وهذا مثل المقترض يهدى المقرض شيئًا، فيقابله المقرض بهدية مماثلة، أو يرد إليه هديته (انظر فتاوى ابن تيمية 30/ 106) . وبهذا يكون ما إضافته السفتجة على القرض هو معاوضة حسابية دقيقة لا ربح فيها لأحد الطرفين، ولو كان فيها ربح للمقرض لسلمنا أنه ربا، لأنه عندئذ يكون جمعًا بين بيع وسلف، وهو منهي عنه في الحديث الحسن الصحيح (انظر أصحاب السنن، والطبراني في الكبير، وأحمد في مسنده) فهاهنا ينظر إلى المنفعة الإضافية للسفتجة، فإنها منفعة واحدة لكل من الطرفين، ولا عبرة بالمؤن التي يتحملها المقترض، لأنها ناشئة من رغبته في استخدام القرض في بلد آخر، فهذه مؤنه لا علاقة للمقرض بها، فقد يقرض أحدنا