الصفحة 26 من 94

جده فكل صواحبي أخذ رضيعًا فلما لم أجد غيره رجعت إليه وأخذته والله ما أخذته إلا إني لم أجد غيره فقلت لصاحبي: والله لأخذن هذا اليتيم من بني عبد المطلب فعسى الله أن ينفعنا به ولا أرجع من بين صواحبي ولا آخذ شيئًا فقال: قد أصبت.

قالت: فأخذته فأتيت به الرحل فوالله ما هو أن أتيت به الرحل فأمسيت أقبل ثدياي باللبن حتى أرويته وأرويت أخاه وقام أبوه إلى شارفنا تلك يلمسها فإذا هي حافل [1] فحلبها فأرواني وروي فقال: يا حليمة تعلمين والله لقد أصبنا نسمة مباركة [2] ولقد أعطانا الله عليها ما لم نتمنى قالت: فبتنا بخير ليلة شباعًا وكنّا لا ننام ليلنا مع صبينا.

ثم اعتدينا راجعين إلى بلادنا أنا وصواحبي فركبت أتاني القمراء فحملته معي فوالذي نفس حليمة بيده لقطعن الركب [3] حتى أن النسوة ليقلنَّ: أمسكي علينا أهذه أتانك التي خرجت عليها؟ فقلت: نعم فقالوا: أنها كانت أدمت حين أقبلنا فما شأنها؟ قالت فقلت: والله حملت عليها غلامًا مباركًا.

قالت: فخرجنا فما زال يزيدنا الله في كل يوم خيرًا حتى قدمنا والبلاد سِنَة ولقد كان رعاتنا يسرحون ثم يريحون فتروح أغنام بني سعد جياعًا وتروح غنمي شباعًا بطانًا [4] حفلًا [5] فنحتلب ونشرب فيقولون: ما شأن غنم الحارث بن عبد العزى وغنم حليمة تروح شباعًا حفلًا وتروح غنمكم جياعًا؟ ويلكم اسرحوا حيث تسرح غنم رعاؤهم فيسرحون معهم فما تروح إلا جياعًا كما كانت وترجع غنمي كما كانت.

قالت: وكان يشب شبابًا ما يشبه أحد الغلمان يشب في اليوم شباب الغلام في شهر ويشب في الشهر شباب السُّنة فلما استكمل سنتين أقدمنا مكة أنا وأبوه فقلنا: والله لا نفارقه أبدًا ونحن نستطيع فلما أتينا أمه قلنا: أي ظئر! والله ما رأينا صبيًا قط أعظم بركة منه وإنا نتخوف وباء [6] مكة وأسقامها فدعيه نرجع به حتى تبريء من دائك فلم نزل بها حتى أذنت فرجعنا به فأقمنا أشهرًا ثلاثة أو أربعة.

فبينما هو يلعب خلف البيوت هو وأخوه في بهم له [7] إذ أتى أخوه يشتد وأنا وأبوه في البدن فقال: إن أخي القرشي أتى رجلان عليهما ثياب بيض فأخذاه واضطجعاه فشقا بطنه فخرجت أنا وأبوه يشتد فالتزمه أنا وأبوه فضمنناه إلينا فقلنا: مالك بأبي أنت؟ فقال: أتاني رجلان وأضجعاني فشقا بطني وصنعا به شيئًا ثم رداه كما هو فقال أبوه: والله ما أرى ابني إلا وقد أصيب إلحقي بأهله فرديه إليهم قبل أن يظهر له ما نتخوف منه. قالت: فاحتملناه فقدمنا به على أمه فلما رأتنا أنكرت شأننا وقالت: ما رجعكما به قبل أن أسألكماه وقد كنتما حريصين على حبسه؟ فقلنا: لا شيء إلا أن قد قضى الله الرضاعة وسرّنا ما نرى وقلنا: نؤويه كما تحبون أحب إلينا قال فقالت: إن لكما شأنًا فأخبراني ما هو فلم تدعنا حتى أخبرناها فقالت: كلا والله لا يصنع الله ذلك به إن لابني شأنا أفلا أخبركما خبره إني حملت به فوالله ما حملته حملًا قط كان أخف عليَّ منه ولا أيسر منه ثم رأيت حين حملته خرج مني نورًا أضاء منه أعناق الإبل ببصرى أو قالت: قصور بصرى ثم وضعته حين وضعه فوالله ما وقع كما يقع

(1) حافل: كثيرة اللبن.

(2) نسمة: نفس.

(3) قطعت الركب: سبقت الركب.

(4) البطان: ممتلئة البطون.

(5) حفلا: كثيرات اللبن.

(6) الوباء: المرض.

(7) البهم: صغار الظأن والماعز.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت