ويسمى هذا في البديعيات ب (التغاير) (( ويعني أن يغاير المتكلم الناس فيما عاداتهم ان يمدحوه فيذمه، أو يذكوه فيمدحه ) ) (1)
وأختصر بعضهم وقال: هو تحسين القبيح، وتقبيح الحسن )) (2)
ولكن لا بد من وجود سبب يجعل أبن الرومي كارهًا للورد ذامًا أياه هذا الذم البليغ متحملًا الأسباب لتفضيل النرجس عليه إذ يبدو أنه كان جعليًا والجعليون لا يطيقون شم الورد، وهو مرض يعتري الإنسان ويزيد عليه عند شم رائحته فيدمع عينه، ويذرف أنفه ويعتريه عطاس، وربما حصل لبعضهم رمد (3) ويقصد به الرمد الربيعي وينتشر في الربيع يقول: د. عبد المحسن سليمان: (( هذا المرض ينتشر ويبدأ ظهوره في مايو ويزول في الخريف وهو يأتي نتيجة لازدياد حساسيته الملتحمة ) ) (4)
وقد أشار المتنبي إلى الجعليين فيقول فيمن يعيب شعره:
إذا خلعت على عرض له حللًا ... وجدتما منه في أبهى من الحلل
بذى الغباوة من إنشادها ضرر ... كما تضر رياح الورد بالجعل (5)
فهو يشبه الجاهل الذي لا يفهم شعره بالجعل الذي لا يظهر عليه الغيظ والانزعاج عند شتم الورد.
فقد يكون أبن الرومي مصابًا بأحد أمراض الحساسية التي تهتاج عند شتم الأزهار والعطور حيث أن شم الورد مثير للزكام عند بعض الناس يقول أبو الفتح البستي:
لا يغرنك أنني لين اللمـ ... س فعزمي إذا أنتضيت حسام
أنا كالورد فيه راحة قوم ... ثم فيه لآخرين زكام (6)
(1) نهاية الأرب في فنون الأدب: ت شهاب الدين أحمد بن الوهاب النويري (733هـ) -المؤسسة المصرية العامة-بلا ت-7/ 145.
(2) البلاغة الفنية: ت علي الجندي-ط2 مطبعة الفنية الحديثة-مكتبة الانجلو المصرية-1966 - 107.
(3) ينظر الشذا بالمؤنس في الورد والنرجس: 170.
(4) الربيع في الأدب والفن والحياة: ت مصطفى عبد الرحمة-ج مكتبة الانجلو المصرية بلا ت-17.
(5) شرح ديوان المتنبي: تحـ عبد الرحمن البرقوقي-الناشر دار الكتاب العربي-بيروت-لبنان 1986 - 3/ 167.
(6) أبو الفتح البستي حياته وشعره-201.