فهذا الاعتراض صحيح، إذ ما لا يعقل معناه أكثر ما يكون الدَّخَل منه، فمنعه من باب سد الذرائع، وفي كلام الحافظ إشارة إلى ترجيح ما اخترناه فتأمل.
الاعتراض الثاني:
إن قيل: إن حديث"لا بأس بالرقى ما لم يكن فيه شرك"لا يدل على إطلاق الإباحة، وإنما المراد بقوله:"لا بأس بالرقى"أي: مما شرع في السنة، فيكون من العام الذي أريد به الخصوص، ولم يرد العموم، ولا استيعاب جميع الرقى، بدلالة أنه استثنى الشرك، ولم يستثن المحرمات، مع دخولها في الاستثناء من غير خلاف.
فالجواب من ثلاثة أوجه:
الأول: أن نفي العموم غير مسلّم، إذ الأصل في"ال"أن تكون للجنس المفيد للاستغراق.
الثاني: على مدّعي خلاف العموم الدليل، وما ثبت بدليل لا يرفعه إلا دليل.
الثالث: أن الجواب في كلام النبي _صلى الله عليه وسلم_ واردٌ على الاجتهاد في الرقى، وهل يجوز التجربة فيها، فكان الجواب مناسبًا لذلك بل أعم من ربط الحكم برقية معيّنة، ونبه على الشرك لقرب عهدهم به كما هو صريح في أول الحديث، ولم ينص على المحرمات؛ لأنه لا محرم فيما ذكره، ولو سلمنا ما قيل، فسيبقى الكلام على أحد أمرين:
إما أن هذا المسكوت عنه، وهو أن الرقى اجتهادية جائز في الشرع، فهذا ما قدمناه.
وإما أن هذا المسكوت عنه ممنوع فأين دليله؟ وأنت خبير بأن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز.
بل يقال: لم استثنى الشرك وترك النص على المحرمات، ولم يأت بصيغة تجمع الأمرين، كما هو شأن الشرع وسننه في التنبيه على عموم المحرمات؟
إلا ليدل على أن باب الرقى باب الدواء والتطبب، وهو باب مفتوح إلا أن يداخله محرم كالنجاسة، فيعلم هذا من نص خاص منفصل. لكن لما كان أثره أعظم من أثر الطب الجثماني، وتعلق بالكلام الرباني وكلام الآدمي، حسُن التنبيه على تحريم دخول الشرك فيه بشتى ألوانه؛ صيانة لقلب المكلف ودينه، وصيانة للمداوي والمداوى جميعًا.
وقد ألمح الحافظ أبو حاتم ابن حبان في صحيحه إلى ذلك، فقال:
"ذكرُ الخبر المصرِّح بإباحة الرقية للعليل بغير كتاب الله ما لم يكن شركًا"، ثم ذكر خبر جابر الأول، ثم