السلف بالكتاب والسنة كان سدًا منيعًا أمام العلل والحوادث وحرصهم على عدم تعدي المنقول، ومع ذلك فقد أشارت النصوص إلى شيء من ذلك، وأومأ بعض المحققين إليه، وسأذكر ما وقفت عليه _إن شاء الله_ وقبل بيان مأخذ المسألة وتفصيليها:
اعلم أن الرقية لو كان فيها محرم أو شرك فالإجماع قائم - في الجملة - على المنع.
والذي يستدل به لمن قال بالتوقيف أمور ثلاثة:
1 -أن ما لم ينقل عن النبي _صلى الله عليه وسلم_ الأصل رده، وباب الرقى قد بينت كيفياته في السنة.
2 -أن في ذلك أمورًا لا يُدرى ما هي، فالمنع مما لا يعرف في باب الرقى محل إجماع.
3 -أن فتح الباب فيما لم يرد لا ينضبط، وهو مظنة دخول ما يحرم وما يكون شركًا.
والذي يستدل به لمن قال بالاجتهاد أمور منها:
1 -ما رواه مسلم عن جابر قال: نهى رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ عن الرقى، فجاء آل عمرو بن حزم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم_ فقالوا:"يا رسول الله إنه كانت عندنا رقية نرقي بها من العقرب، وإنك نهيت عن الرقى، قال: فعرضوها عليه، فقال: ما أرى بأسًا، من استطاع منكم أن ينفع أخاه فليفعل" (13) .
ووجوه الدلالة من ثلاثة وجوه:
أ- قوله:"من استطاع .."وهذا من صيغ العموم.
ب- قوله:"فعرضوها عليه"ولو كانت مما شرع ابتداءً لم يعرضوها عليه، إذ هي معلومة عنده.
ت- قوله:"كانت عندنا"أي: في الجاهلية، كما هي ظاهر لا يخفى.
2 -وروى مسلم أيضًا عن عوف بن مالك الأشجعي، قال:"كنا نرقي في الجاهلية، فقلنا: يا رسول الله كيف ترى في ذلك؟ فقال: اعرضوا عليّ رقاكم، لا بأس بالرقى ما لم يكن فيه شرك" (14) .
ووجه الدلالة منه من ثلاثة وجوه أيضًا:
أ- قوله:"كنا نرقي في الجاهلية"، وهذا صريح أن رقيتهم لم يرد بها الشرع.
ب- قوله:"اعرضوا عليّ رقاكم"جليّ في أن تلك الرقى لم يرد بها الشرع أيضًا.
ت- قوله:"لا بأس بالرقى ما لم يكن فيه شرك"وهذا ظاهر في إطلاق الإباحة في هذا الباب ما لم يكن في الرقى شرك.
3 -ما تقدم في حديث أبي سعيد الخدري في قصة اللديغ، قال له النبي _صلى الله عليه وسلم_:"وما أدراك أنها رقية؟".
فيه إشارة إلى أنها اجتهاد من الراقي، ثم لو كانت توقيفية لما توقفوا في أخذ ما أعطي لهم من الأجرة