أتون معارك فكرية يفترض فيها تحرير النية لمحض الحق، وبتأسيس الوصول فيها إلى الحقيقة من خلال معلم أخلاقي نبيل هو"التجرد".
ومهما يكن فإن هذه مقدمة أجدها ضرورية وأنا بصدد تناول تجربة هيئة الرقابة الشرعية بالتقييم العام، لأن وظيفة هيئة الرقابة الشرعية للبنك جد خطيرة، وذلك لطبيعتها القانونية والتي تنبثق من أنها (الهيئة التشريعية) الموكول إليها وظيفة التأصيل الفقهي لمعاملات البنك الإسلامي، وحيث إن معاملات البنوك الإسلامية تقع (كليًا أو جزئيًا) خارج إطار الإلزام القانوني العام، تتأكد خطورة المهمة الملقاة على عواتق هؤلاء العلماء الأجلاء، ولا أراني مضطرًا أن أقول إنه لم تفنن إلى الآن المعاملات المصرفية الإسلامية، كما لم يستحدث قانون للبنوك (إسلامي) ، - حسب علمي فإن ذلك ينطبق على مختلف دول العالم الإسلامي وبالذات دول المؤتمر الإسلامي، فيما عدا الباكستان وإيران والسودان جزئيًا - وأهمية هذه القوانين تتمثل في أنها تضفي على ممارسات هذه البنوك طابعًا إلزاميًا قائمًا على تكييف شرعي أصيل وصياغة قانونية معاصرة، ورعاية للظروف والعرف في نطاق الشريعة، ويلاحظ هنا أن عقود تأسيس هذه البنوك أو نظامها الأساسي أو القوانين الخاصة التي تأسست بناء عليها لا تغطي هذه الثغرة، ومن هنا انتقل العبء التشريعي على هيئة الرقابة الشرعية، وتأكد جسامة وخطر مسؤوليتها.
فهل استطاعت هذه الهيئات الرقابية أن تقوم بوظيفتها؟ وتؤدي المهام المنوطة بها؟
الوضع الراهن لهيئة الرقابة الشرعية:
يمكن لنا دراسة مسيرة الرقابة الشرعية معتمدين البحث في الكلي دون الجزئي ليتوفر على بحث التفاصيل آخرون:
أ - الطبيعة القانونية لهيئة الرقابة الشرعية:
إن أول أوجه القصور في البنية القانونية لهيئة الرقابة الشرعية هي في طبيعتها القانونية، فهذه الطبيعة يكتنفها الغموض، فهيئة الرقابة الشرعية هي (رقابة) لكنها لا تراقب إلا ما يعرض عليها من عقود أو معاملات، ولا تفتي إلا فيما تستفتى فيه، إذن فإدارة البنوك هي التي تحدد (عمليًا) نطاق أعمال هيئة الرقابة الشرعية، وقد تتدخل الهيئة إذا ما تسامعت أو وقفت على ما يستدعي تدخلها، أو قد تتدخل بناءً على شكوى أو التماس، ولكن هذه الوسائل تفتقر للفعالية الإدارية، وهي وسائل (غير رسمية) لا يمكن التعويل عليها في جهاز رقابي موكول إليه رقابة النظام والتطبيق على الممارسة اليومية لآلاف العمليات والمعاملات والعقود التي يزخر بها العمل المصرفي. فإذا انتقلنا للبحث عن (آثار)