المصالح المرسلة، والمصلحة تقتضي في هذا الزمن التحديد [1] وأن هذا التحديد إنما يتم بناء على دراسات واعية دقيقة تمنع معه الخسائر أو ظلم أحد الطرفين، وقد حدا هذا ببعض العلماء إلى إفتائه البنوك بفتوى تختلف عن فتواه لعموم الأفراد.
وازداد الأمر خطورة عندما استطاع أنصار هذا التيار أخيرا استصدار قرار من مجمع البحوث الإسلامية المصري يؤكد الفتاوى الفردية السابقة.
ولم يقف الأمر عند حدود إباحة الفوائد على القروض المصرفية وإنما تعدى ذلك إلى معاملات أخرى كالتأمين الذي ظل المسلمون ردحا من الزمن يعتبرونه من المعاملات المحرمة وقد تراجع كثير من أهل الفتوى في القول بحرمته.
وقد نقضت هذه الفتاوى وتلك الأقوال الأساس الذي قامت عليه البنوك الإسلامية، بل والعمل المالي الإسلامي المؤسسي، وهي أنها لا تتعامل بما تتعامل به البنوك الربوية من الإقراض أو الاقتراض بالربا المحرم شرعا؛ لأنه إذا لم تكن هناك حرمة في التعامل مع البنوك الربوية، فلماذا تؤسس بنوك أخرى تنسب نفسها إلى الإسلام، وتعتبر أن تميزها هو في تطبيقها لأحكام الكتاب والسنة ومنها حرمة الربا؟!
ولسنا في مقام مناقشة الفتوى، وإنما نظهر هنا أنه كان لهذه الفتوى - فيما أرى - أثر سلبي كبير على البنوك الإسلامية معنويا وماديا، فمن الناحية المعنوية: أفقد البنوك الإسلامية تميزها حيث استوت بذلك مع البنوك الأخرى إذ لا فرق، وأزال الحرج الشرعي عمن يتعامل مع البنوك التقليدية - في زعمه - فاطمأنت نفسه، وإن لم يطمئن فلسان حاله يقول"ضعها في رقبة عالم واخرج منها سالم"، كما أضعفت موقف المناهضين للبنوك الربوية، وخفت صوتهم، وأغلقت المنافذ الإعلامية أمامهم، بل منهم من جرم وحوكم بسبب موقفه ذلك، كما أعطت قوة جدالية لأنصار الاقتصاد الربوي فاحتجوا وحاجوا بها.
أما أثرها المادي على البنوك الإسلامية فغير خاف، فرغم الإقبال الذي تشهده البنوك الإسلامية، وكثرة المتعاملين معها، وتحول مؤسسات كبيرة إلى النظام الإسلامي، أو فتح فروع إسلامية تتبع مؤسسات ربوية عريقة، لكني أرى أنها ربما أدت إلى تحول نفر ممن كانوا يتعاملون معها إلى البنوك الأخرى، كما منعت آخرين يريدون التحول من البنوك الربوية إليها، ورغم أنه لا يتوافر إحصاء بهذا، لكن رؤية الواقع تدل عليه.
نعم ثار في مواجهة هذه الفتاوى علماء كثر، وعقدوا مؤتمرات، وأصدروا
(1) - د. محمد سيد طنطاوي - معاملات البنوك وأحكامها الشرعية - 133 وما بعدها.