لأنه قاعدة الاجتهاد والموصل إلى تفاصيل الأحكام التي لا حصر لها، وله معرفة بمقاصد الحكام. فوضع الشرائع إنما هو لصالح العباد في العاجل والآجل معًا، والشريعة وضعت لتحقيق هذه المصالح لقوله تعالى: {رسلًا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل} .
وتكاليف الشريعة ترجع إلى حفظ مقاصدها في الخلق. والمقاصد لا تعدو ثلاثة أقسام: ضرورة، وحاجة، وتكميل. أما الضرورة: مالا بد منها في قيام مصالح الدين والدنيا، بحيث إذا فقدت لم تجر مصالح الدنيا على استقامة، بل على فساد وتهارج وفوت حياة، وفي الآخرة فوت النجاة والنعيم. فالعبادات راجعة إلى حفظ الدين من جانب من الوجود، والعادات راجعة إلى حفظ النفس والعقل من جانب الوجود أيضًا.
والحاجة: وهي المفتقر إليها من حيث التوسعة ورفع الضيق المؤدي في الغالب إلى المشقة اللاحقة بفوت المطلوب. فإذا لم تراع وقع المكلفون في الحرج والمشقة. والتكميل (التحسينات) : الأخذ بما يليق من محاسن العادات، ويجمعها مكارم الأخلاق.
هذه الشروط السابقة، تؤكد على وجوب توفر أهلية الإفتاء والاجتهاد في أفراد هيئة الرقابة الشرعية، وخاصة أن المعاملات فيها مستجدات متتالية نظرًا للتطور التقني والتكنولوجي. لهذا لابد من اختيار المشهور لهم بالكفاءة الفقهية، ولا نلتفت إلى الشهرة ولا إلى المفتين الرسميين إلا إذا كانوا ممن تتوافر فيهم الشروط التي أشرت إليها سابقًا.
لأن هؤلاء مهمتهم رقابة الأعمال والأنشطة في المؤسسات المالية، والرقابة تعني: ضبط المعاملات المصرفية في ضوء الأدلة الشرعية والقواعد الفقهية للتأكد من صحة التطبيق. ومتابعة وتحليل كافة الأعمال والتصرفات والسلوكيات والقرارات التي تقوم بها المؤسسات، والتأكد من موافقتها لأحكام الشريعة الإسلامية باستخدام الوسائل والأساليب الملائمة المشروعة، وبيان المخالفات والأخطاء وتصويبها فورًا، وتقديم التقارير إلى الجهات المعنية متضمنة الملاحظات والإرشادات وسبل التطوير إلى الأفضل.
فالمؤسسات المالية الإسلامية بحملها هذا الاسم، فإن مسئوليتها عظيمة بعظم هذا الدين. ولهذا ينبغي أن يكون واقعها موافقًا لما يحتويه اسمها من أحكام وأخلاق وسلوك وتعامل. ومن هنا تظهر أهمية الرقابة الشرعية في نشاط هذه المؤسسات. وتستمد الرقابة الشرعية دورها من قوله تعالى: {فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون} وقوله سبحانه: {قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون} . وقوله عز وجل: فلولا نفر من كل فرقة طائفة منهم ليتفقهوا في