أما الكتاب: فبقوله تعالى: (وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِن رِّجَالِكُمْ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ) [1] .
وجه الدلالة أن الآية حددت عدد قبول الشهادة برجين إن توافرا، وإن لم يتوافرا فرجل وامرأتان أي أن الرجل يعدل امرأتين، فدل هذا على أن شهادة المرضعة وحدها لا تقبل ولا تكفي.
وأما الإجماع: فقد روي أن عمر بن الخطاب، قال: لا يقبل على الرضاع أقل من شاهدين وكان ذلك بمحضر من الصحابة ولم يظهر نكير من أحد فكان إجماعًا [2] .
وبعد استعراض لأقوال الفقهاء وأدلتهم نرى أن الرأي الراجح هو ما ذهب إليه الشافعية والحنابلة من أن شهادة المرضعة تقبل ويعمل بها، وهذا ما أميل إليه وأرجحه للآتي:
أولًا: شهادة المرضعة وحدها تكفي سواء كانت حرة أو أمة حصل الظن بقولها أو لم يحصل لما ثبت أن السائل في رواية قال: وأظنها كاذبة، ومع هذا قال له النبي -صلى الله عليه وسلم-: «دعها عنك» .
ثانيًا: إن هذا الحديث الصحيح هادمًا للقاعدة التي تقول: «لا تقبل شهادة فيها تقرير لفعل الشاهد» لأن هذه القاعدة مبنية على غير أساس، والحديث يكون مخصصًا لعمومات الأدلة [3] .
ثالثًا: إن العمل بحديث عقبة هو الأسلم والأحوط في أمر عظيم كهذا وحتى لا يجتمع زوج مع أخته من الرضاع، ومع أن الحنفية والمالكية خالفوا هذا الحديث إلا أنهم قالوا: والأفضل إذا شهدت المرضعة بالرضاع أن الزوج يفارق زوجته تنزها واتقاء للشبهات واستبراء للدين والعرض عملًا بحديث عقبة بن الحارث [4] ، والله أعلم.
(1) الآية 282 سورة البقرة.
(2) بدائع الصنائع ج4 ص14.
(3) نيل الأوطار للشوكاني ج6 ص320.
(4) بدائع الصنائع ج4 ص14.- بلغة السالك ج1 ص517.