، قال: (( خَرَج رسول الله صلى الله عليه وسلم ذاتَ يوم من بعض حُجَره ، فدخلَ المسجد ، فإذا هو بحَلْقَتين: إحداهما يَقرؤون القرآن ويدَدعون الله تعالى ، والأخرى يَتعلَّمون ويُعلِّمون ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: كلٌّ على خير ، هؤلاء يقرؤون القرآن ويَدْعون الله ، فإن شاء أعطاهم وإن شاء مَنَعهم ، وهؤلاء يُعلمون ويَتعلمون ، وإنما بُعِثتُ مُعلِّمًا ، فَجَلَسَ معهم ) ) (1)
(1) ـ نعم: إنما بَعَثه الله مُعلِّمًا صلى الله عليه وسلم . وهذا المُعلم المُربّي الكبير ـ ولا أكبرَ منه مُعلمًا في البشر ـ ، والهادي الأُمّي البصير، والرسولُ المبلِّغ المُنير: هو الذي تَدينُ لتعليمِه وتربيتِه أُممٌ كثيرة ، وتُبَجِّلُه شُعوبٌ وأقوامٌ مختلفة في شَتّى أنحاء المعمورة ، تُعَدُّ بمِئات الملايين ، تَخْضَعُ لقولِه ، وتَسترشِدُ بهَدْيه ، وتلتمِسُ رِضوانَ الله تعالى في اتِّباعِه والاقتداء به . =
= ومن تأمَّلَ حُسْنَ رعايتِه للعَرَبِ مع قَسوةِ طِباعِهم ، وشِدّة خُشونتهم ، وتنافُرِ أمزجتِهم ، وكيف ساسَهم واحتمَل جَفاءَهم ، وصبر على أذاهم ، إلى أن انقادوا إليه ، والتفّوا حوْلَه ، وقاتلوا أمامَه ودونَه أعزَّ الناسِ عندهم: آباءَهم وأقاربَهم ، وآثروه على أنفسهم ، وهجروا في طاعته ورِضاه أَحِبّاءَهم وأوطانهم ، وعشيرتَهم وإخوانهم ، وكان كلُّ ذلك ـ وأعظَمُ منه ـ منهم له صلى الله عليه وسلم ، وهو لم يُمارِس الكتاابة والقراءة ، ولا طالَعَ كُتُبَ الماضين ، ولا أخبار المُرَبّين السّالفين ...
ومن تأمَّل هذا تحقّضقَ له بنظرِ العقلِ أنه صلّى الله عليه وسلم هو المعلِّمُ الأوَّلُ ، والنبيُّ المرسَل ، وأنه سيِّدُ العالمين . صلواتُ اللهِ وسَلامُهُ عليه .
يقول كارليل في حال العرب: (( هم قومٌ يَضرِبون في الصحراء ، لا يُؤْبَهُ لهم عِدّةَ قرون ، فلما جاءهم النبي العربي ، أصبحوا قبلةَ الأنظار في العلوم والعِرفان ، وكثُروا بعد القِلّة ، وعزّوا بعد الذِلّة ، ولم يَمضِ قَرْنٌ حتى استضاءَتْ أطرافُ الأرضِ بعقولِهم وعُلومِهم ) ).