لِلشَّافِعِيَّةِ , وَهُوَ الْأَوْجَهُ , وَلَزِمَتْهُ الدِّيَةُ فِي الْقَوْلِ الْآخَرِ لَهُمْ أَيْضًا. وَأَمَّا فِي الْوَجْهِ الثَّانِي عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ فَهُوَ عَدَمُ وُجُوبِ الْهَرَبِ عَلَيْهِ ; لِأَنَّ إقَامَتَهُ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ جَائِزَةٌ , فَلَا يُكَلَّفُ الِانْصِرَافُ. وَفِي قَوْلٍ ثَالِثٍ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: أَنَّ الْمَصُولَ عَلَيْهِ إنْ تَيَقَّنَ النَّجَاةَ بِالْهَرَبِ وَجَبَ عَلَيْهِ , وَإِلَّا فَلَا يَجِبُ.
9 -لَا يَخْتَلِفُ قَوْلُ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ فِي الدِّفَاعِ عَنْ نَفْسِ الْغَيْرِ وَمَا دُونَهَا مِنْ الْأَطْرَافِ إذَا صَالَ عَلَيْهَا صَائِلٌ: عَنْ قَوْلِهِمْ فِي الدِّفَاعِ عَنْ النَّفْسِ إذَا كَانَ الْمَصُولُ عَلَيْهِ مَعْصُومَ الدَّمِ , بِأَنْ يَكُونَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَوْ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ , وَأَنْ يَكُونَ مَظْلُومًا. وَاسْتَدَلُّوا فِي وُجُوبِ الدِّفَاعِ عَنْ نَفْسِ الْغَيْرِ وَأَطْرَافِهِ بِنَفْسِ الْأَدِلَّةِ الَّتِي اسْتَدَلُّوا بِهَا فِي الْمَسْأَلَةِ السَّابِقَةِ. وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إلَى أَنَّ الدِّفَاعَ عَنْ نَفْسِ الْغَيْرِ - إذَا كَانَ آدَمِيًّا مُحْتَرَمًا - حُكْمُهُ كَحُكْمِ دِفَاعِهِ عَنْ نَفْسِهِ , فَيَجِبُ حَيْثُ يَجِبُ , وَيَنْتَفِي حَيْثُ يَنْتَفِي , إذْ لَا يَزِيدُ حَقُّ غَيْرِهِ عَلَى حَقِّ نَفْسِهِ , وَمَحَلُّ الْوُجُوبِ - عِنْدَهُمْ - إذَا أَمِنَ الْهَلَاكَ عَلَى نَفْسِهِ , إذْ لَا يَلْزَمُهُ أَنْ يَجْعَلَ رُوحَهُ بَدَلًا عَنْ رُوحِ غَيْرِهِ , إلَّا إذَا كَانَ ذَلِكَ فِي قِتَالِ الْحَرْبِيِّينَ وَالْمُرْتَدِّينَ فَلَا يَسْقُطُ الْوُجُوبُ بِالْخَوْفِ الظَّاهِرِ , وَهَذَا أَصَحُّ الطُّرُقِ عِنْدَهُمْ. وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ قَوْلَانِ آخَرَانِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ. أَوَّلُهُمَا: يَجِبُ الدِّفَاعُ عَنْ نَفْسِ غَيْرِهِ وَمَا دُونَهَا مِنْ الْأَطْرَافِ قَطْعًا , لِأَنَّ لَهُ الْإِيثَارَ بِحَقِّ نَفْسِهِ دُونَ غَيْرِهِ , وَلِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم: {مَنْ أُذِلَّ عِنْدَهُ مُؤْمِنٌ فَلَمْ يَنْصُرْهُ - وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَنْصُرَهُ - أَذَلَّهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى رُءُوسِ الْخَلَائِقِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} . ثَانِيهِمَا: لَا يَجُوزُ الدِّفَاعُ عَنْ نَفْسِ الْغَيْرِ , لِأَنَّ شَهْرَ السِّلَاحِ يُحَرِّكُ الْفِتَنَ , وَخَاصَّةً فِي مَجَالِ نُصْرَةِ الْآخَرِينَ , وَلَيْسَ الدِّفَاعُ عَنْ الْغَيْرِ مِنْ شَانِ آحَادِ النَّاسِ , وَإِنَّمَا هُوَ وَظِيفَةُ الْإِمَامِ وَوُلَاةِ الْأُمُورِ. وَيَجْرِي هَذَا الْخِلَافُ فِي الْمَذْهَبِ بِالنِّسْبَةِ لِآحَادِ النَّاسِ , أَمَّا الْإِمَامُ وَغَيْرُهُ - مِنْ الْوُلَاةِ - فَيَجِبُ عَلَيْهِمْ دَفْعُ الصَّائِلِ عَلَى نَفْسِ الْغَيْرِ اتِّفَاقًا. أَمَّا عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ فَيَجِبُ الدِّفَاعُ عَنْ نَفْسِ غَيْرِهِ وَمَا دُونَهَا مِنْ الْأَطْرَافِ فِي غَيْرِ فِتْنَةٍ , وَمَعَ ظَنِّ سَلَامَةِ الدَّافِعِ وَالْمَدْفُوعِ عَنْهُ , وَإِلَّا حُرِّمَ الدِّفَاعُ.
دَفْعُ الصَّائِلِ عَنْ الْعِرْضِ:
10 -أَجْمَعَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الرَّجُلِ دَفْعُ الصَّائِلِ عَلَى بُضْعِ أَهْلِهِ أَوْ غَيْرِ أَهْلِهِ , لِأَنَّهُ لَا سَبِيلَ إلَى إبَاحَتِهِ , وَمِثْلُ الزِّنَا بِالْبُضْعِ فِي الْحَكَمِ مُقَدِّمَاتُهُ فِي وُجُوبِ الدَّفْعِ حَتَّى لَوْ أَدَّى إلَى قَتْلِ الصَّائِلِ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ. . . بَلْ إنْ قُتِلَ الدَّافِعُ بِسَبَبِ ذَلِكَ فَهُوَ شَهِيدٌ , لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم: {مَنْ قُتِلَ دُونَ أَهْلِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ} . وَلِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ حَقِّهِ وَحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى - وَهُوَ مَنْعُ الْفَاحِشَةِ - وَلِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم: {اُنْصُرْ أَخَاك ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا} . إلَّا أَنَّ الشَّافِعِيَّةَ شَرَطُوا لِوُجُوبِ الدِّفَاعِ عَنْ عِرْضِهِ وَعِرْضِ غَيْرِهِ: أَنْ لَا يَخَافَ الدَّافِعُ عَلَى نَفْسِهِ , أَوْ عُضْوٍ مِنْ أَعْضَائِهِ , أَوْ عَلَى مَنْفَعَةٍ مِنْ مَنَافِعِ أَعْضَائِهِ. أَمَّا الْمَرْأَةُ الْمَصُولُ عَلَيْهَا مِنْ أَجْلِ الزِّنَا بِهَا , فَيَجِبُ عَلَيْهَا أَنْ تَدْفَعَ عَنْ نَفْسِهَا إنْ أَمْكَنَهَا ذَلِكَ , لِأَنَّ التَّمْكِينَ مِنْهَا مُحَرَّمٌ , وَفِي تَرْكِ الدَّفْعِ نَوْعُ تَمْكِينٍ , فَإِذَا قَتَلَتْ الصَّائِلَ - وَلَمْ يَكُنْ يَنْدَفِعُ إلَّا بِالْقَتْلِ - فَلَا تَضْمَنُهُ بِقِصَاصٍ وَلَا دِيَةٍ , لِمَا رَوَى أَنَّ رَجُلًا أَضَافَ نَاسًا مِنْ هُذَيْلٍ , فَأَرَادَ امْرَأَةً عَلَى نَفْسِهَا , فَرَمَتْهُ بِحَجَرٍ فَقَتَلَتْهُ , فَقَالَ عُمَرُ