الصفحة 5 من 16

ولكن بحمد الله ومنته انسد هذا الباب الذي خطره عظيم وأمره جسيم ، وأنحست هذه المفاسد العظيمة وكان ذلك من لطف الله تعالى لعبادة وجميل عوائده وعواطفه الحميمة . ومع هذا فلم يزل يظهر من يدعي بلوغ درجة الاجتهاد ، ويتكلم في العلم من غير تقليدٍ لأحد من هؤلاء الأئمة ولا انقياد .

فمنهم من يسوغ له ذلك لظهور صدقة فيما ادعاه ، ومنهم من رد عليه قوله وكذب في دعواه . وأما سائر الناس ممن لم يصل إلى هذه الدرجة فلا يسعه إلا تقليد أولئك الأئمة ، والدخول فيما دخل فيه سائر الأمة . فإن قال أحمق متكلف: كيف يحصر الناس في أقوال علماء متعينين ويمنع من الاجتهاد أو من تقليد غير أولئك من أئمة الدين .

قيل له: كما جمع الصحابة- رضي الله عنهم - الناس من القراءة بغيره في سائر البلدان ؛ لما رأوا أن المصلحة لا تتم إلا بذلك ، وأن الناس إذا تركوا يقرؤون على حروف شتى وقعوا في أعظم المهالك .

فكذلك مسائل الأحكام وفتاوى الحلال والحرام ، لو لم تضبط الناس فيها بأقوال أئمة معدودين: لأدى ذلك إلى فساد الدين ، وأن يعد كل أحمق متكلف طلبت الرياسة نفسه من زمرة المجتهدين وأن يبتدع مقالة ينسبها إلى بعض من سلف من المتقدمين ؛ فربما كان بتحريف يحرفه عليهم كما وقع ذلك كثيرًا من بعض الظاهريين ، وربما كانت تلك المقالة زلة من بعض من سلف قد اجتمع على تركها جماعة من المسلمين . فلا تقضي المصلحة غير ما قدره الله وقضاه من جمع الناس على مذاهب هؤلاء الأئمة المشهورين رضي الله عنهم أجمعين .

فإن قيل: الفرق بين جمع الناس على حرفٍ واحد من الحروف السبعة من أحرف القرآن وبين جمعهم على أقوال فقهاء أربعة ، أن تلك الحروف السبعة كانت يقال: معناها واحد أو متقارب والمعنى حاصل بهذا الحرف ، وهذا بخلاف قول الفقهاء الأربعة ؛ فإنه يجوز أن يتفقوا على شئ ويكون الحق خارجًا عنهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت