كما كان ينكر على ابن عباس- رضي الله عنه- مسائل متعددة بها . وأنكر ذلك على أتباعه أشد من الإنكار عليه ، حتى كان ابن جريح لما قدم البصرة إذا رآه الناس دخل المسجد الجامع رفعوا أيديهم ودعوا الله عليه لشذوذه بتلك المسائل التي تلقى عن أصحاب ابن عباس ، حتى أنه رجع عن بعضها قبل أن يخرج من عندهم . وهذا مع أن الناس حينئذ كان الغالب عليهم الدين والورع .
فكان ذلك يريحهم عن أن يتكلم أحدهم بغير علم ، أو ينصب نفسه للكلام وليس هو لذلك بأهل . ثم قل الدين والورع ، وكثر من يتكلم في الدين بغير علم ومن ينصب نفسه لذلك وليس هو له بأهل . فلو استمر الحال في هذه الأزمان المتأخرة على ما كان عليه في الصدر الأول بحيث أن كل أحدٍ يفتي بما يدعي أنه يظهر له أنه الحق ؛ لاختل به نظام الدين لا محالة ، ولصار الحلال حرامًا والحرام حلالًا . ولقال كل من شاء ما يشاء ، ولصار ديننا بسبب ذلك مثل دين أهل الكتابين من قبلنا . فاقتضت حكمة الله سبحانه أن ضبط الدين وحفظه: بأن نصب للناس أئمة مجتمعًا على علمهم ودرايتهم وبلوغهم الغاية المقصودة في مرتبة العلم بالأحكام والفتوى ، من أهل الرأي والحديث .
فصار الناي كلهم يعولون في الفتاوى عليهم ، ويرجعون في معرفة الأحكام إليهم وأقام الله من يضبط مذاهبهم ويحرر قواعدهم ، حتى ضبط مذهب كل إمام منهم وأصوله وقواعده وفصوله ، حتى ترد إلى ذلك الأحكام ويضبط الكلام في مسائل الحلال والحرام .
وكان ذلك من لطف الله بعباده المؤمنين ، ومن جملة عوائده الحسنة في حفظ هذا الدين .
ولولا ذلك: لرأى الناس العجاب ، من كل أحمق متكلف معجبٍ برأيه جريء على الناس وثاب .
فيدعي هذا أنه الأمام الأئمة ، ويدعي هذا أنه هادي الأمة وأنه هو الذي ينبغي الرجوع دون الناس إليه والتعويل دون الخلق عليه .