كانت الساعة تقارب الرابعة عصرًا ، حين بدأت أنا وزوجتي نحسّ بتثاقل بطيء . وقد بدأ معي عندما بدأت أشعر أنّ جفنيّ يتثاقلان ، وأن يديّ وقدميّ تسري فيهم حالة من الارتخاء .
ثم بدأ ضغط هذا الإحساس يشتد على عينيّ ، فشعرت - مع ثقل أجفاني - برغبة عارمة في النوم ، وأن جسمي كله منحل لا يقوى على الوقوف .
عندها قلت لزوجتي: لو أنني أستطيع أن أجد مكانًا خاليًا أستلقي فيه ، قالت: وأنا كذلك . فخرجنا من هناك - ويحق لك الخروج لمرة واحدة - باحثًا عن مكان منعزل ، فوجدت مرجًا أخضر تحيط به شجيرات الحديقة . فاستلقينا عليه .
أدركت - عندئذ - أن هناك من يصاحبنا في سفرنا هذا ؛ إنها مصاحبة لا مرئية . وهؤلاء الذين معنا ، إنما كلفوا بمصاحبتنا من دمشق . فمن كلفّهم بذلك هناك ؟
إن ذلك الرجل الذي عرفناه في الكويت ، لا يعرف أبدًا بوجودنا هنا ! لكن تلك المرأة تعلم . فقد جاء زوجها لوداعنا أسوة بأصدقائنا الآخرين .
وإذا كان الأمر كذلك ، فنحن على وشك أن نفتح الصفحة الأولى من هذه المرحلة الثانية ، ولمّا يجف بعد الحبر على نهاية الصفحة الأخيرة من المرحلة الأولى .
هذه الحالة التي نحن عليها الآن - ونحن مستلقون على المرج - لم تكن هي الحالة الأولى . فكثيرًا ما كنا نشعر برغبة عارمة بالنوم في بيتنا في الكويت وكان العلاج الذي نتّبعه للتخلص من هذا الأذى أن نقرأ القرآن ، وعلى وجه الخصوص من أواخر سورة البقرة ، من قوله تعالى: ( آمن الرسول ) إلى قوله: ( فانصرنا على القوم الكافرين ) .
ولم أجد بدًّا من أن أعيد العلاج نفسه ، ونحن بأمس الحاجة إليه هنا . فبدأت القراءة المرة تلو المرة ، حتى بدأ هذا الأذى الشيطاني يرفع بإذن الله . وكان الدليل على رفعه ، تثاؤبًا عميقًا خارجًا من أعماق الصدر مصحوبًا بآهة عميقة ، ويترافق معه خروج دموع حارة من عينيّ .