الفصل الرابع: عبد الله بن مسعود (رضي الله عنه)
روى البخاري عن عبد الله بن عمروبن العاص قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول"خذوا القرآن من أربعة من عبد الله بن مسعود وسالم ومعاذ وأبيّ بن كعب"، أي تعلموا منهم. والأربعة المذكورون إثنان من المهاجرين وهما المبدوء بهما واثنان من الأنصار وسالم هوابن معقل مولى أبي حذيفة ومعاذ هو ابن جبل [1] .
فعبد الله بن مسعود هو أحد السبّاقين إلى الأسلام و من أمهر قراء القرآن على عهد النبي الكريم صلى الله عليه و سلم و قد جمع القرآن كله في مصحفا على عهد عثمان بن عفان و يقول السيوطي في الأتقان إن ترتيب السور في مصحف ابن مسعود لم يكن مماثلا لمصحف عثمان [2] ، أيضا لم يحتوي مصحف ابن مسعود على الفاتحة و لا المعوذتين و لنقرأ سويا ما أورده السيوطي: قال ابن قتيبة في مشكل القرآن: ظن ابن مسعود أن المعوذتين ليستا من القرآن لأنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم يعوذ بهما الحسن والحسين فأقام على ظنه. ولا نقول أنه أصاب في ذلك وأخطأ المهاجرون والأنصار. و قال: وأما إسقاطه الفاتحة من مصحفه فليس لظنه أنها ليست من القرآن معاذ الله ولكنه ذهب إلى أن القرآن إنما كتب وجمع بين اللوحين مخافة الشك والنسيان والزيادة والنقصان ورأى أن ذلك مأمون في سورة الحمد لقصرها ووجوب تعلمها على كل أحد. قلت: إسقاطه الفاتحة من مصحفه أخرجه أبا عبيد بسند صحيح كما تقدم [3] أ هـ.
? فمن الأكيد أن عبد الله بن مسعود كان يقرأ الفاتحة في صلاته و إلا لما صحت، و قد يكون أيضا عدم ايراده للمعوذتين من قبيل النسيان لا أكثر. أما عن اعتراضه عن احراق مصحفه ضمن ما احرق على عهد الخليفة عثمان فكان لأمرين: أولهما أن مصحفه كان - برواية بعض الصحابة و التابعين - يحتوي بعض عبارات تفسيرية في صلب الآيات أو في أواخرها شأنه شأن بعض المصاحف الأخرى، و هذا يخل بنظام التلاوة لمن يقرأه و لا يحفظه، و ثانيهما لظنه أن زيد بن ثابت رضي الله عنه قد استأثر بجمع القرآن وحده، في حين أن اختيار الخليفة له للقيام بهذا العمل دون غيره لأنه كان من كتبة الوحى في الفترة المدنية، و كان حافظًا متقنًا للقرآن سماعًا مباشرًا من فم رسول الله صلى الله عليه و سلم، و كان هو الوحيد الذى حضر العرضة الأخيرة للقرآن من النبى عليه الصلاة والسلام على جبريل عليه السلام، وكان هو الذى جمع القرآن في خلافة أبى بكر رضى الله عنه. و أظن أن هذا كافيا للرد على المؤلف في دعواه و تبرئة بن مسعود أو عثمان رضي الله عنهما من تهمة تحريف كتاب الله، أما عن ظهور نسخة بن مسعود عام 378هـ و احراقها وسط صيحات الشعب و كذا موت ابن مسعود متأثرا بجراحه من اثر اضطهاد عثمان فهي تخرصات لا أثر لها و ينقصها الدليل!
(1) الأتقان / النوع العشرون (في معرفة حفاظه و رواته)
(2) نفس المصدر السابق / نهاية النوع الثامن عشر (في جمعه و ترتيبه)
(3) المصدر السابق / النوع النوع الثاني والثالث والرابع والخامس والسادس والسابع والعشرون (معرفة المتواتر والمشهور والآحاد والشاذ والموضوع والمدرج)