وسئل شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى عن رجل وهب لأولاده مماليك ثم قصد عتقهم فهل الأفضل استرجاعهم منهم وعتقهم أو إبقاؤهم في يد الأولاد؟ فأجاب: الحمد لله إن كان أولاده محتاجين إلى المماليك فتركهم لأولاده أفضل من استرجاعهم وعتقهم ، بل صلة ذي الرحم المحتاج أفضل من العتق ، كما ثبت في الصحيح أن ميمونة زوج النبي أعتقت جارية لها فذ كرت ذلك للنبي ، فقال:"لو أعطيتها أخوالك كان خيرا لك"، فإذا كان النبي - صلى الله عليه وسلم - قد فضل إعطاء الخال على العتق فكيف الأولاد المحتاجون ، وأما إن كان الأولاد مستغنين عن بعضهم فعتقه حسن ، وله أن يرجع في هذه الهبة عند الشافعي وأحمد وغيرهما ولا يرجع فيها عند أبى حنيفة والله أعلم . (1)
باب
بر الوالدين وطاعتهما
البر لغة: هو الصدق والطاعة . والبر: هو الخير .
قال الزجاج: قال بعضهم كلُّ ما تُقُرّب به إِلى الله عز وجل؛ من عمل خير، فهو إِنفاق. قال أَبو منصور: و البِرُّ خير الدنيا والآخرة، فخير الدنيا ما ييسره الله تبارك وتعالى للعبد من الهُدى والنِّعْمَةِ والخيراتِ، وخَيْرُ الآخِرَةِ الفَوْزُ بالنعيم الدائم في الجنة، جمع الله لنا بينهما بكرمه ورحمته. و بَرَّ يَبَرُّ إِذا صَلَحَ. و بَرَّ في يمينه يَبَرُّ إِذا صدقه ولم يَحْنَثْ. و بَرَّ رَحِمَهُ يَبَرُّ إِذا وصله . (2)
وأقرب الناس الذين أمر الله تعالى العبد أن يصلها الوالدان ، فأنّها من أعظم الحقوق على العبد بعد حق الله تعالى ، وحق رسوله - صلى الله عليه وسلم - .
ولما قرن الله سبحانه وتعالى بين الأمر بالتوحيد ، والأمر بالإحسان إلى الوالدين دلّ ذلك على جلالة قدر هذه الطاعة ، وعظم شأنها عند الله جل في علاه .
فقال تعالى: { وقضى ربك أن لا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانًا } . (3)
(1) مجموع الفتاوى (31/298) .
(2) لسان العرب لابن منظور (4/52) .
(3) سورة الإسراء الآية (23) .