ولهذا فن البحث في صلاح فكرة الديمقراطية أو فسادها، إنما يكون ببحث الفكرة التي تقوم عليها أي عقيدتها وكذلك ببحث الأصل الذي بنيت عليه وهو الحل الوسط-ثم بحث المصدر التشريعي لها-أي جعل الإنسان هو الذي يضع التشريعات جميعها من دستور ونظم وقوانين، فإن ثبت أن هذه الأصول الثلاثة للديمقراطية فاسدة فإن جميع ما يصدر عنها من معالجات وما يبنى عليها من أفكار يكون فاسدا قطعا، وبالتالي فإنها تؤدي إلى شقاء الإنسان وتعاسته بدلا من أن تؤدي إلى رفاهيته وسعادته.
الفكرة الأساسية للديمقراطية
لكل مبدأ من المبادئ فكرة أساسية شاملة يقوم عليها حتى يصح أن يسمى مبدأ وتكون هذه الفكرة عقيدة المبدأ وقاعدته الفكرية التي تنبثق عنها معالجات مشاكل الإنسان في الحياة ولما كانت العقيدة بمعناها الاصطلاحي كما جاء في القواميس اللغوية هي الفكرة الكلية عن الكون والحياة والإنسان، وعما قبلها، وعما بعدها، وعن علاقتها بما قبلها، وعن علاقتها بما بعدها، أي هي الإجابة على كافة التساؤلات التي تجابه الإنسان حيثما كان فهو كان يتمتع بالحياة على هذه الأرض في هذا الكون.
إذن فالديمقراطية فكرة أساسية شاملة أجابت على كافة الأسئلة التي تجابه الإنسان في الحياة ووضعت له الأساس الذي تنبثق عنه كافة المعالجات لمشاكله في الحياة الدنيا، بغض النظر عن صحة هذه الأجوبة أو خطأها، وكانت كذلك قاعدة فكرية تبنى عليها أفكار الحياة ومفاهيمها وقيادة فكرية آمن بها الكثير من الناس فانقادوا بها، وحملوها لغيرهم من الناس لاعتناقها وتطبيقها في حياتهم، فأنشئت عليها مجتمعات كثيرة وقامت عليها دول استطاعت أن تبسط سلطانها، وتفرض هيمنتها وتمد نفوذها على غيرها من الدول والمجتمعات وتطبق عليها نظمها وقوانينها، وبذلك اكتمل وجود هذه الفكرة في الحياة وشقي العالم بها، وما زال يعاني من ويلاتها ومصائبها، وما سببت للإنسانية من كوارث ونكبات.