الصفحة 57 من 67

قلنا إن الحرية تعني ممارسة الإرادة دون ضغط أو إكراه أو تهديد، وهذا المعنى وإن كان ليس موجودا في واقع الحياة بشكل عام، إلا أنه بالرغم من كافة القيود التي وضعت له ما زال هو المعنى الوحيد لكلمة حرية، وقالوا الحرية المقيدة، وقالوا الحرية الموجهة، وقالوا الحرية المسيرة بالقوانين، إلى غير ذلك من الصفات، فقد بقي المعنى الأساسي لها وهو ممارسة الإرادة دون قيد أو شرط، مع مراعاة القوانين والنظم، ومراعاة عدم المساس بحرية الآخرين فهل هذه المعاني تتفق وما جاء به الإسلام؟

أولا: إن الأساس الذي جاء به الإسلام يقضي بأن يكون المسلم عبد لله تعالى، وأعظم مكرمة وأكرم صفة يتصف بها المسلم أن يكون عبدا لله تعالى، حتى الأنبياء ومنهم سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم كان وصفه أنه عبد الله ورسوله موضع فخر واعتزاز،ومن كمال العبودية أن يطيع العبد أوامر المعبود.

وصفة العبودية هذه تتنافى مع ممارسة السيادة دون ضغط أو إكراه فالإنسان المؤمن بالله الملتزم لأوامره يمارس إرادته بالتقيد بهذه الأوامر والنواهي نعم إنه يمارس إرادته كي يستحق المثوبة والعقاب تبعا إلى تقيد هذه الممارسة بالأوامر والنواهي، وليست الممارسة تبعا للهوى وإشباع الرغبات.

ولهذا فإن المسلم حين يلتزم ذلك إنما يلتزمه خوفا وطمعا.

ثانيا: إن ممارسة الإرادة في أحكام التخيير وإن كان يبدو فيها الحرية في العمل، إلا أنها تختلف كليا عن ذلك فأحكام التخيير، وأعني المباحثات، إنما

هي إجازة من الله سبحانه وتعالى للإنسان بالفعل أو الترك فإن فعل فتبعا للأمر وإن امتنع فتبعا للأمر كذلك، فالمباحثات في الأفعال والأشياء إنما هي تفضل من الله تعالى ونعمة ترك لنا فيها الاختيار بين الفعل والترك، أما الحرية فإنما تعني إتباع الهوى وإشباع الرغبة، فهي ممارسة إرادة مطلقة وليست إذن بالسماح والتخيير بين الفعل والترك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت