وكما بدأنا بمحاكمة الديمقراطية فقلنا أن صدق الأفكار وصحتها يتطلب وجود مقياس دقيق تقاس عليه وقواعد ومسلّمات تستعمل في إظهار الخطأ من الصواب فاحتكمنا فيها إلى العقل باعتباره مناطق التكليف، وباعتباره الجوهرة التي ميزت الإنسان عن غيره من الكائنات الحية، والنعمة الكبرى التي جعلته سيد الكون، فسخر له الله سبحانه وتعالى كل شيء، كما احتكمنا أيضا إلى قاعدة ثابتة يقضي بها كل ذي لب، وهي أن الفكر الصحيح، والرأي الصائب هو الفكر أو الرأي أو الخبر الذي ينطبق على واقعه، ولذلك كانت قاعدة مطابقة الأمر للواقع قاعدة صحيحة، وعليها نستطيع تمييز الخطأ من الصواب، وانطلاقا من هذه القاعدة نقول:
بعد أن تبينت لنا كافة المعاني التي تشير إليها كلمة الحرية، وفهمنا ما تدل عليه جملة وتفصيلا فكان الجذر الذي انبثت منه جميع هذه المعاني هو الانفلات من كل قيد فالسؤال الذي يرد الآن هو هل لهذا المعنى وجود في الواقع الآن؟ وهل يمكن أن يكون له واقع مستقبلا، وما هي النتيجة التي يمكن أن تتربت عليه إن سلمنا جدلا بإمكانية وجود مجتمع أو إنسان يعيش على أساس هذه الفكرة؟.
أما الإجابة على السؤال الأول وهو هل لهذا المعنى وجود في العالم الآن فإن الإجابة بالنفي مؤكدة، وذلك أنه ليس هناك مجتمع بشري في الوجود يعيش كل إنسان فيه على هواه وتبعا لرغبته، وإتباع حاجته، سواء في المتجمعات المتحضرة، أم في المجتمعات البدائية، البدوية منها والحضرية، بل إننا نجد أن الإنسان كلما ارتقى فكريا كلما زاد ارتباطا وانضباطا بالقوانين والنظم، وحتى الأعراف، ولهذا فإن الجواب بالنفي على السؤال الأول كأنه هو الجواب الحق -فلا وجود لمجتمع بشري يعيش على فكرة الحرية، والتي تعني الانفلات من كل قيد.