بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي أحل البيع وحرم الربا، وأحكم شرعه منهجا ومذهبا، ووفق من أحب للتفقه بالدين مأخذا ومشربا، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الذي دلنا على الرضوان، وحذرنا من سلوك أهل العصيان، المتحايلين على شرع الرحمن، بما ابتدعوه من تأويل، وما سلكوه من تحليل، فقال عليه الصلاة والسلام:"قاتل الله اليهود إن الله لما حرم شحومها [1] جملوه، ثم باعوه، فأكلوا ثمنه" [2] ينعى عليهم ذلك لمحاولتهم التحايل على النصوص، ظنا منهم أن ذلك ينفعهم، و هو صلى الله عليه وسلم بذلك ينفرنا من فعلهم أو الوقوع في مذهبهم ومشربهم، فإن كل مخالفة وقع فيها غيرنا وذموا عليها، فإننا إذا ضاهيناهم في الفعل وقع علينا الوصف الذي وصفوا به من أجله، فصلى الله وسلم وبارك عليه، فإنه لم يدع خيرا إلا ودلنا عليه، ولا شرا إلا وحذرنا منه، وإن مسألة التورق قد شابها من التحايل ما أخرجها عن أصل وضعها الفقهي القائم على مبدأ التجارة التي أحلها الله تعالى إلى الحيل التي ذمها الله تعالى وتجعلها ذريعة لما حرم الله من الربا، كما سيتجلى وضعه في هذا البحث المختصر، والمعتصر من الأبحاث السابقة والتحقيقات النافعة، وقد حاولت فيه الاستقصاء لوا قع السوق في ضوء الفقه ومقاصد الشرع، فجاء بحمد الله جامعا لأطراف المسألة، محققا للمراد في تجلية الحكم الممكن لها.
والله أسأل أن ينفع به ويجعله خالصا لوجهه الكريم.
وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه.
(1) - ... أي الشحوم عموما كما في رواية النسائي وغيره: لما حرم عليهم الشحوم جملوه وهو ما دل عليه قوله تعالى: (وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ) [الأنعام/146]
(2) - ... أخرجه البخاري في البيوع باب بيع الميتة والأصنام برقم: 2143