لا يخفى أن الجواز في هذه المسألة هو على طبق القاعدة؛ لأنّ الأعمال تصلح لأن تجعل عوضًا في المعاوضات بيعًا كان أو إجارة أو نحوهما، و المفروض تعيينها أو وجود تعارف يرتفع به الغرر و الجهالة [1] .
معلوم أن عقد البناء و التشغيل و الإعادة أيضا من هذا القبيل لأنه تقبل للأرض وما شاكلها لتعميرها على أن يكون حاصل الأرض و منافعها للعامر لمدة معينة و إرجاعها لصاحبها معمورة بعد انقضاء المدة. نعم يبقي الكلام في تكييف هذا العقد و انه هل هو إجارة كما حمل السيد الطباطبائي الروايات على هذا الاحتمال فيما نقلناه من كلامه أو جعالة أو أنه عقد مستقل برأسه و هذا ما نبحث عنه في العنوان التالي.
البحث من الناحية الثانية (تكييف عقد البناء و التشغيل و الإعادة)
يمكن تخريج عقد البناء و التشغيل و الإعادة عن طريق العقود المسماة المعهودة كالإجارة و المصالحة و القبالة بناء على كونها عقدا مستقلا و نحوها من العقود كما يمكن عده عقدا مستحدثا من دون ان يكون فرعا لعقد مسمي.
1 -تخريجه عن طريق العقود المعهودة
أ-القبالة
القَبَالة، بالفتح: الكفالة و هي في الأصل مصدر قَبَل إذا كَفَل. و قال: قَبَّلْت العامِلَ العمل تَقَبُّلًا، و هذا نادر، و الاسم القَبالة، و تَقَبَّله العامل تَقْبِيلًا، نادر أَيضًا [2] .
يستعمل القبالة في الفقه للتعبير عن عقود مختلفة كتقبّل الأرض الخراجية من السلطان وتقبّل احد الشريكين حصة شريكه بعوض معلوم و تقبّل الأرض من شخص للتعمير والجامع بينها هو كونها معاوضة على حق الانتفاع من الأرض بعوض معلوم. والمراد هنا هو المورد الثالث أي تقبّل الأرض من شخص ليعمّرها. وقع الخلاف في كون القبالة عقدا مستقلا أو انه إجارة أو مصالحة أو غيرهما. ذهب الشهيد الثاني إلى كونها عقدا مستقلا برأسه لها أحكام خاصة [3] . فعلي هذا الاحتمال يمكن تخريج عقد البناء و التشغيل و الإعادة عليها فيكون نوع قبالة.
ب- الإجارة
الظاهر ان عقد البناء و التشغيل و الإعادة أشبه شيء بالإجارة لان المحور الأساسي في عقد البناء و التشغيل و الإعادة أما هو تمكين الطرف الثاني للاستفادة من ارض مملوكة
(1) الإجارة (للفاضل) ، ص: 638
(2) لسان العرب المادة.
(3) الجدير بالذكر أن عد الشهيد الثاني القبالة عقدا مستقلا إنما هو في تقبل أحد الشريكين حصة الاخر بثمن معلوم قال الشهيد الثاني في ذيل قول المحقق في الشرائع: «إذا كان بين اثنين نخل أو شجر، فتقبّل أحدهما بحصّة صاحبه بشي ء معلوم، كان جائزا.» هذه القبالة معاوضة مخصوصة مستثناة من المزابنة والمحاقلة معا. و الأصل فيها ما رواه يعقوب بن شعيب عن الصادق عليه السلام قال: سألته عن الرجلين يكون بينهما النخل، فيقول أحدهما لصاحبه: اختر: إمّا أن تأخذ هذا النخل بكذا و كذا كيلا مسمّى، و تعطيني نصف هذا الكيل، زاد أو نقص، و إمّا أن آخذه أنا بذلك و أردّ عليك، قال: «لا بأس بذلك» . و كذا روي أنّ النبي صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم قبّل أهل خيبر نخلهم و خيّرهم كذلك. و ظاهر الأصحاب أنّ الصيغة تكون بلفظ القبالة، و أنّ لها حكما خاصّا زائدا على البيع و الصلح، لكون الثمن و المثمن واحدا، و عدم ثبوت الربا لو زاد أو نقص، ووقوعه بلفظ التقبيل، و هو خارج عن صيغتي العقدين. راجع مسالك الأفهام إلى تنقيح شرائع الإسلام، ج 3، ص: 370