كمخلوق وكوحدة موضوعية ضمن هذا الكون العظيم، وتعمد -في الوقت نفسه- إلى رصد السلوك الإنساني من شقيه؛ اللامنهجي -من جهة - والحمائي من جهة أخرى، طالما أخضع هذا السلوك إلى الجوانب التطبيقية العملية سواء منها ما تعلق بالممارسات الجماعية والفردية التي تشكل خرقا للقواعد الشرعية من جهة، أو تلك التي سعت فيها الدول (الوحدات السياسية والقانونية) إلى وضع مفاهيم وقيم وضوابط تشريعية بدءًا من قمة الأرض بـ: ريو دي جانيرو"بالبرازيل وما تبعها من مؤتمرات دولية وإعلانات ومواثيق تحذر فيها من مغبة البقاء في مستنقع التغاضي عن تفاقم المشكلة التي تتربص بهذا الكون وبالحياة على سطح الأرض جراء الممارسات اللامشروعة، سيما تلك المرتبطة بالدول الصناعية والتي تغدو فيها الدول الفقيرة ضحيةً شاءت أم أبت."
إن التصدي لهذه المشكلة من زاوية شمولية ينبغي أن لا ينأى بنا عن الوقوف على الأمور من جوانبها المختلفة، ولا حتى عن التعرض إلى الجوانب الدقيقة في رصد العلاقة القائمة بين الفرد والبيئة، ولهذا فإن ما يلزم السعي في افتراضه ضمن هذه الدراسة مؤداه أن الرسالة السماوية السمحة وضعت التدابير التي من شأنها أن تحقق المكتسبات الجماعية والفردية في آن معا ضمن علاقة الإنسان بالمحيط (الكون) وجعلت اتباعها كفيلا بأن يدرأ الخطر أو ينأى به عن الحياة الإنسانية على سطح هذا الكوكب، في حين جلبت شتى الممارسات المخالفة لتلك الضوابط والثوابت ضروبا متناثرة من المشكلات انتهت في النتيجة إلى أهم وأخطر ما يواجه البشرية من المشكلات والتي مؤداها الإخلال بالتوازن البيئي القائم على أساس التلوث واستنزاف الموارد وزحف الصحارى، وانحسار الغابات، وقتل الأحياء والكائنات البرية والبحرية ... الخ.
مشكلة الدراسة
في ضوء المشكلات التي أخذت تحيط بالبناء البيئي في أبعاده المختلفة، وفي ضوء تفجر الأزمة المترتبة على تلك المشكلات الناجمة عن الممارسات الإنسانية ذاتها، غدا مهما الوقوف على الكيفية التي تعاطت بها الشريعة الإسلامية مع هذا الكون بموضوعاته المختلفة وأهمها قضية الحفاظ على البيئة وحمايتها من التلوث ضمن أفق يتأتى من خلاله الإتيان على التوازن الذي دعت إليه الشريعة الإسلامية في كتاب الله تعالى وسنة نبيه - صلى الله عليه وسلم -، وفي خضم الحاجة إلى تحقيق هذه الأهداف، جاءت هذه الدراسة لتجيب عن الإشكالية الرئيسة التي عدت محور الدراسة أصلا، والتي مفادها القول؛ إلى أي حد ساهمت الشريعة الإسلامية في أدلتها الأصلية (الكتاب والسنة) وما استنبط الفقهاء من قواعد وضوابط في رسم ملامح الحفاظ على البيئة وإلى أي مدى تعاطت في الوقت ذاته مع هذا الأمر بما يتحقق من خلاله التوازن البيئي كهدف يتوجب الالتزام بعدم التفريط به؟ وما هي الآفاق التي أثرت فيها تلك التدابير في التشريعات الوضعية بغية التصدي للممارسات الفردية والجماعية التي عدت خروجا على هذا الأصل ضمن ما أخذت تعاني منه المجتمعات من مشكلات مؤداها الإخلال بهذا التوازن لأجل الاستحواذ على الثروات وتحقيق المكتسبات الذاتية على حساب مصلحة الإنسانية؟
إن الإجابة عن شتى هذه التساؤلات يقربنا إلى الوقوف على منهج سليم قادر على تحقيق الغاية المنشودة من هذه الدراسة والولوج إلى النتائج المبتغاة.
منهج الدراسة
أصبح شائعا القول إن الاستعانة في أدبيات البحث العلمي بمنهج مفرد بغية الوصول إلى تخريج شمولي من قبيل المفارقات التي يصعب تحقيقها عمليا، سيما وأن دراسة من هذا القبيل تجمع في طياتها بين الشريعة الإسلامية ضمن كتاب الله وسنة نبيه وبين التدابير التي ذهبت إليها التشريعات الوضعية فضلا عن الإحاطة بالممارسات