بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة:
إذا ذكر التوريق تذكر الرهون العقارية ويذكر بيع الديون وهذا يساوي الأزمة المالية العالمية التي عصفت بالبنوك الدولية والشركات العملاقة، بل عصفت باقتصاديات الدول، فلننظر بعجالة كيف بدأت الأزمة، وليس هذا خروجًا عن الموضوع، بل هو الموضوع ذاته؛ لأن التوريق وسيلة أو أداة مالية أدت إلى هذه الأزمة المالية العالمية.
إذا أطلق مصطلح التوريق فمقصوده: توريق الديون من خلال تحويل هذه الديون إلى أوراق مالية قابلة للتداول، كما سيأتي.
وقد شهدت أسواق التمويل الدولي خلال السنوات التسع الماضية وحتى يومنا هذا نموًا ملحوظًا كمًا ونوعًا في الذمم المدينة (أو الديون) القابلة للتوريق التي طرحتها مؤسسات مالية وغير مالية، لاسيما المصارف منها، وقد أصبح التوريق وسيلة أساسية لدى هذه المؤسسات لزيادة حجم سيولتها المالية من خلال تحويل الأصول غير السائلة إلى أصول سائلة، وقد تطورت أسواق التوريق الدولية مع تطور أنواع الأصول المورقة لاسيما تلك التي تتصل بقطاع تمويل المستهلك بالإضافة إلى تطور أنواع المؤسسات المشاركة في الأسواق، ولعل عملية التوريق قد ظهرت جذورها الأولى مع تفجر أزمة المديونية الخارجية العالمية عام 1982م في معظم دول العالم الثالث وتداعي دول العالم إلى تدارس الحلول الملائمة لمشكلة المديونية هذه. كما أن عملية التوريق وجدت جذورها كذلك في مسايرة التبدل الجذري الحاصل منذ الثمانينات في أسلوب التمويل الدولي حيث تم التحويل وبشكل متسارع من صيغة القرض المصرفي إلى صيغة الأوراق المالية لاسيما السندات منها، وهكذا أصبح القرض المصرفي مجرد تمويل جسري مؤقت إلى حين تسمح السوق المقترض من تأمين احتياجاته التمويلية عبر السندات الدولية وغيرها من إصدارات الأوراق المالية.
وقد بدأ بروز التوريق كظاهرة بشكل خاص في نهاية الثمانينات بالولايات المتحدة، وتشير الإحصاءات إلى أن سوق التوريق قد ناهز 500 بليون دولار عام 1994 في الولايات المتحدة، وقدرت قيمة القروض المورقة بالسندات الأوروبية Euro Bonds في العام ذاته في أوروبا بمبلغ مماثل، وتشير التقديرات إلى أن السنوات القليلة المتبقية على نهاية القرن ستشهد حلول آجال سندات دين في السوق الأوروبي بمعدل 200 بليون دولار سنويا. وهذا الذي حصل فعلا.
وقد كانت بداية التوريق في البورصات المالية الأمريكية، وكان غرضها حل مشكلة القروض الإسكانية العقارية ثم تحولت أداة للوفاء بمتطلبات كفاية رأس المال، ثم لم يطل بمنتج التوريق العهد حتى انتشر في أوربا وبخاصة في بريطانيا وفرنسا ثم إلى كندا واستراليا ونيوزلندا والسويد .. وبدأ هذا المنتج يأخذ دوره في السنوات الأخيرة في الشرق الأوسط، وشهد بداية عام 2008 م توسعا كبيرا في أسواق الشرق الأوسط وخاصة منطقة الخليج العربي التي تشهد فورة عقارية ضخمة تدعم هذا النشاط العقاري الذي لم يسبق له مثيل في هذه المنطقة من العالم، كما شهدت الأسواق الجديدة والتي تشمل أوروبا الشرقية والوسطى وشمال إفريقيا 20 صفقة توريق في النصف الأول من عام 2008 م بقيمة إجمالية بلغت 5.8 مليار دولار أغلبها في روسيا وتركيا وفقا لتقرير"براق قره أوغلو"المحلل في وكالة موديز للتصنيف الائتماني. ووفقا لمركز دبي المالي العالمي فقد تتجه الشركات في الخليج إلى جمع حوالي 250 مليار دولار عن طريق إصدار أوراق مالية بضمان أصول بحلول عام 2010م، وذلك لتلبية طلب متنام على