المبحث الأول
أعمال البر في الشريعة تسع الأوقاف وغيرها. وقد بوب الفقهاء في أعمال البر عناوين عديدة أهمها: الصدقة، الهبة، والعارية، والمنيحة، والعُمرى، والرُقبى، والعرايا، والوصية، والوقف، والقرض، وغيرها.
وسنعرض سريعا بعض النصوص الشرعية التي ترتبط بعلاقة ما بموضوع بحثنا، وهو بطبيعته صور مستجدة من الوقف، دون أية محاولة منا للشمول أو الاستقصاء، أو للإحاطة بجميع النصوص وعرضها ومناقشتها وإبراز الحجج والمرجحات، لأننا لا نقصد في هذا الفصل سوى الاستشهاد، دون الاستقراء الكامل لها.
أ - النصوص الأصلية من القرآن والسنة
أما النصوص فهي كثيرة جدًا في القرآن الكريم وفي السنة المطهرة، في باب الصدقة والإنفاق في سبيل الله تعالى بشكل عام. على أن لدينا نصوصًا تتعلق بمعنى خاص من معاني البر، وهو البر ذي الأجل الطويل مما تناسب بحثنا بشكل محدد نرى من المفيد التذكير بها.
فآيتا التعاون والماعون مثلًا هما مما يكثر الفقهاء الاستشهاد بهما، بل والاستفتاح بهما، عند الحديث عن العارية والمنيحة والوقف. فآية"وتعاونوا على البر والتقوى"تحث على العمل الجماعي المتضافر في فعل الخيرات وجميع أعمال البر. ومن أعمال البر ما هو دائم مؤبد لا ينقطع، ومنها ما يستمر لفترة من الزمن ينتهي بعدها، ومنها ما هو آني لا يمتد خلال الزمان. وآية"ويمنعون الماعون"تدعو بالويل على الذين يتصفون بهذه الصفة الخبيثة، فيمسكون العواري عمن يحتاجها دون أن يكونوا هم أنفسهم بحاجة إليها.
أما في السنّة المطهرة فهناك أحاديث كثيرة منها ما يتحدث عن الصدقة الجارية بشكل عام، نحو حديث أبي هريرة، عند مسلم وأصحاب السنن"أن رسول الله (ص) قال: إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له". [1] وقصة ندب الرسول (ص) عثمان للزيادة في المسجد النبوي ولشراء بئر رومة وتسبيلها. [2]
ب- الآراء الفقهية
أما آراء المذاهب والفقهاء، مما له تأثير في البحث الراهن فكثيرة نستخلصها من أبواب العارية، والمنيحة، والعمرى، والعرايا، والوصية، والوقف. وقبل بحث الآراء الفقهية لا بد لنا من التأكيد مع فضيلة الشيخ مصطفى الزرقا أن"تفاصيل أحكام الوقف المقررة في الفقه هي جميعًا اجتهادية، قياسية، للرأي فيها مجال." [3] ولم تجمع الأمة في أحكام الوقف إلا على اشتراط كون غرضه"قربة إلى الله تعالى". [4] وليس يهمنا الخوض في اختلاف الفقهاء، وإنما نهتم بأن لا تغلق أبواب للخير، فتحها الشارع بعموم النصوص التي تدعو للبر والإحسان، بسبب الخلاف أو بسبب الأسماء التي وضعها الفقهاء لبعض أبواب الخير. والبر والمعروف والإحسان ما عليها من قيود في الشرع. فلا ينبغي لنا أن نحقر من المعروف شيئا، ولا أن نقيده بقيد يحد من انتشاره وشيوعه،"ما على المحسنين"
(1) انظر قحف، النصوص الاقتصادية والمالية، النص رقم 673.
(2) الحديث أخرجه النسائي بإسناد حسن، انظر قحف، نفسه، النص رقم 567
(3) الشيخ مصطفى الزرقا: أحكام الأوقاف - الجزء الأول - مطبعة الجامعة السورية 1947، ص 15.
(4) نفسه.