بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة
الحمد لله رب العالمين، حمدًا طيبًا مباركًا فيه، حمدًا يوافي نعمه ويكافئ مزيد عطائه، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه، وسلم تسليمًا كثيرًا، أما بعد:
فإن من رحمة الله تعالى وحكمته أن جعل الشريعة الإسلامية، شريعة حياة غير معزولة عن واقع الناس، فكانت بحق شريعة صالحة لجميع الأزمنة والأمكنة والأجناس، تحقق مصالح العباد، وتدرء عنهم المفاسد والمضار.
وكان مما أفاء الله تعالى به وأنعم أن قيَّض لهذه الشريعة رجالًا ذادوا عن حماها، وحدّوا حدودها، وهم العلماء الذين اضطلعوا بالمسؤولية العظمى، والأمانة الكبرى في بيان الأحكام الشرعية الموضحة لحكم الله تعالى في معايش الناس وحياتهم، وإن المطلع على ما تركه هؤلاء العلماء من تراث وما حوته موسوعاتهم من اجتهادات واستنباطات وتحقيقات شملت كافة فروع الفقه الإسلامي التي تندرج تحت مسمى العبادات والمعاملات يدرك عظم التشريع الإسلامي وسمّوه وغزارة مادته، ولا نجانب الصواب إذا ما قلنا بأن كل متخصص في أي علم من العلوم يجد في هذا التشريع ما يعينه على معرفة أحكام الله تعالى في مجال تخصصه.
ومن المسائل التي لقيت اهتمامًا كبيرًا من فقهاء الشريعة تلك المتعلقة
بالتداوي، فلم تخل كتبهم الفقهية من الحديث عن هذا الموضوع في أبواب متعددة، غير أن حديثهم عنها لم يكن يتجاوز المرحلة العلمية التي وصلوا إليها في مجالات علم الطب، ولم يكن لهم بد من ذلك، إذ لكل حادث حديث، ولكل مستجد حكمه.
وفي العصر الحديث حيث حدثت طفرة علمية في مجالات العلوم الكونية
عامة، وفي العلوم الطبية خاصة، كان لابد من بذل الجهد في استنباط الأحكام الفقهية المتعلقة بالمسائل الطبية المختلفة، ولقد رأينا طائفة من الباحثين والعلماء الأجلاء من بحث فيما جد من نوازل في تلك المسائل، فكانت لهم فيها بحوث ورسائل علمية، كما رأينا الهيئات الدينية والمجاميع الفقهية والمنظمات الإسلامية، قد أصدرت من المواثيق والفتاوى والقرارات ما يشكل في مجموعه نظامًا إسلاميا في مجال العلوم الطبية، نظامًا يتضمن حدود وقيود الإجراءات الطبية والجراحية، ما يجوز منها وما لا يجوز، كما يتضمن مسؤوليات وأخلاقيات العاملين في المهن الطبية المختلفة، والضوابط القانونية الشرعية التي تحكم العلاقة المهنية بينهم وبين المرضى، ولكن هذا النظام شأنه شأن غيره من النظم الإسلامية، من مثل النظام الاقتصادي والإداري يبقى بحاجة إلى مزيد من البحث والتفصيل في جزئياته ومُستجداته، وصولًا إلى الحكم الشرعي فيها، وهي المهمة التي يضطلع بها المجمع الفقهي الإسلامي وغيره من مجالس وهيئات الإفتاء في البلاد الإسلامية.
هذا وقد أصبح من المقررات في نظام الإسلام الطبي وجوب أخذ إذن المريض أو وليه قبل الشروع في أي من الإجراءات الطبية التي تلزم لتشخيص المرض وعلاجه، ويستثنى من ذلك الحالات الإسعافية التي تستدعي تدخلًا طبيًا فوريًا لإنقاذ حياة المريض، أو إنقاذ عضو من أعضائه، حيث يجب على الطبيب إجراء العمل الطبي المناسب دون