هذا من الناحية الفقهية البحتة. أما من ناحية سياسة الاقتصاد الإسلامي، فإن مثل هذه"الحوافز"التي لا تخلو منها الصكوك اليوم قد أهملت المقاصد الاقتصادية النبيلة للشركة أو المضاربة من توزيع الثروة فيما بين المستثمرين على أساس عادل، فإن الصكوك المؤسس على"الحوافز"جعلت الربح الموزع على المستثمرين مقتصرا على سعر الفائدة في كل حال، وليس على الربحية الحقيقية للمشروع.
ولئن تحملت الهيئات الشرعية هذه المفاسد في بداية إصدار الصكوك في حين كانت المؤسسات المالية الإسلامية قليلة، فقد حان الأوان أن تُعيد النظر في ذلك وتخلّص الصكوك الآن من هذه الأمور المشبوهة، فإما أن تخلو من"الحوافز"بتاتا، أو تؤسس الحوافز على أساس الربح المتوقع من المشروع، وليس على أساس سعر الفائدة، ويصبح ذلك ميزة تتميز بها المؤسسات المالية الإسلامية عن المؤسسات التقليدية الربوية تميزا حقيقيا.
2 -اشتراط القرض عند نقص الربح من النسبة المعينة
أما اشتراط القرض عند انتقاص الربح الحقيقي من النسبة المعينة، فلا مبرر له إطلاقا من الناحية الشرعية، فإن الذي يلتزم بالقرض هو مدير العمليات، وهو الذي يبيع الأصول على حملة الصكوك في بداية العملية، فلو اشترط عليه أن يقرض حملة الصكوك في حالة نقص الربح الفعلي عن تلك النسبة، فهو داخل في بيع وسلف، وقد ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن بيع وسلف. أخرجه مالك في الموطأ بلاغا، وأخرجه أبو داود والترمذي بلفظ:"لا يحل سلف وبيع."وقال الترمذي:"هذا حديث حسن صحيح." [1] وقال ابن عبد البر رحمه الله تعالى:"هذا الحديث محفوظ من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم وهو حديث صحيح رواه الثقات عن عمرو بن شعيب، وعمرو بن شعيب ثقة إذا حدث عنه ثقة." [2]
وقد أخذ بهذا جميع أهل العلم، ولا يعرف فيه خلاف. قال ابن قدامة رحمه الله تعالى:"ولو باعه بشرط أن يسلفه أو يقرضه أو شرط المشترى ذلك عليه فهو محرم والبيع باطل، وهذا مذهب مالك والشافعي ولا أعلم فيه خلافا." [3]
وقال رحمه الله في موضع آخر:"وإن شرط أن يؤجره داره بأقل من أجرتها أو على أن يستأجر دار المقرض بأكثر من أجرتها ... كان أبلغ في التحريم." [4]
وفي آلية الصكوك المذكورة لا يرضى المدير بتقديم هذا القرض إلا لأنه يحُوز أكثر من حصته الحقيقية من الربح الفعلي من خلال"الحافز"الذي اشتُرط له عند ما يتجاوز الربح الفعلي النسبة المبنية على سعر الفائدة. فهذا القرض أبلغ في التحريم بعبارة ابن قدامة رحمه الله تعالى.
وقد يكون مدير العمليات الذي التزم بالقرض شريكا أو مضاربا. وهذا الالتزام أيضا مخالف لمقتضى العقد، وتغطيه علة التحريم في بيع وسلف سواء بسواء، فلا يجوز.
3 -تعهد المدير بشراء الأصول بالقيمة الاسمية
أما المسألة الثالثة، فهي أن العمليات التجارية الحقيقية في الشريعة لا يُضمن فيها استرداد رأس المال، فإنّ غُنْم الربح الحقيقي في الشريعة الإسلامية يتبع الغُرْم دائما،
(1) موطأ الإمام مالك2:657 وسنن أبى داود، باب في الرجل يبيع ما ليس عنده، رقم 3504، وجامع الترمذي، باب ما جاء في كراهية ما ليس عنده، رقم 1234
(2) التمهيد لابن عبدالبر24:384
(3) المغنى لابن قدامة 4:162
(4) المغنى 4:211