هُدًى أَوْ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ [1] . فإن هذا يعني الاعتراف بإمكان أن يكون الكافرون على حق.
4 -أن قوله تعالى في سورة الزمر «فاعبدوا ما شئتم من دونه» [2] تعني فسح المجال للآخرين كي يعبدوا ما يشاؤون كما تصور البعض [3] .
وأمثال ذلك.
ولكن الحقيقة في جواب هؤلاء واضحة، فإن آية (لا إكراه) توضح حقيقة وجدانية تبتنى عليها حقيقة حقوقية وهي أن العقيدة هي من أعمال النفس وقناعاتها وتصديقاتها، وبالتالي لا يمكن الوصول إلى إقرارها نفسيًا إلا عن طريق الاستدلال المنطقي الرصين لتنكشف الحقيقة للنفس كاملًا فتطمئن إليها، أما الجبر والإكراه والضغط فلا قيمة له في هذا المجال، وواهم من يتصور ذلك وإن كان منطق الجبابرة يتسع لفكرة (آمنتم له قبل أن آذن لكم) [4] ، فإن الوجدان ينفي ذلك وقد انطلق القرآن من هذه الحقيقة حينما قرر مبدأ عدم الإكراه حقوقيًا أيضًا.
ولكن الواقع شيء آخر إذ أن الشرك بنفسه مما ترفضه الفطرة والعقل السليم، ويشكل ظلمًا عظيمًا للحقيقة ويؤدي إلى الانحطاط في الدنيا والعذاب في الآخرة، ولا سبيل للخلاص إلا بالدين والإيمان والعمل الصالح.
أما آية سورة الكافرون فهي لا تريد أن تسمح للشرك وتعترف به كيف والشرك أعظم الظلم والانحراف والخروج عن الحالة الإنسانية، وإنما جاءت في مورد (المساومة) و (المداهنة) التي طلبها المشركون حيث يعبدون اله الإسلام سنة ويعبد المشركون الله سنة أخرى كما ذكر المفسرون عند تفسير السورة، فجاء القرآن الكريم قاطعًا كل تركيب أو مهادنة أو مساومة أو مسامحة بين خط الإيمان وخط الكفر من قبيل قوله تعالى: {أَنتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِّمَّا تَعْمَلُونَ} . أو قوله تعالى: {لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ} [5] . وكلها تؤكد المفاصلة.
ومن هنا فنحن نعتقد أن استفادة التعايش الديني المشترك مع المشركين من هذه الآية أيضًا غير تام، وإذا تم فيجب الاستناد إلى آية أخرى. وأما آية سورة (سبأ) فهي من أروع الآيات التي توضح موضوعية المحاور المسلم حين دخوله للحوار، ولا ندري كيف يتسرب الشك إلى عاقل فضلا عن ان يكون مسلمًا إلى أن الآية تحتمل كون الكافرين على حق. وهنا أذكر بواقعة تاريخية لها دلالتها:
فقد احتج الخوارج على الإمام علي (ع) بأنه شك في نفسه حينما قال للحكمين: «أُنظرا فإن كان معاوية أحق بها فأثبتاه وإن كنت أولى بها فأثبتاني» فإذا هو شك في نفسه ولم يدر أهو المحق أم معاوية فنحن فيه أشد شكًا.
فكان جواب الإمام هو: «فإن ذلك لم يكن شكًا مني ولكني أنصفت في القول، قال تعالى: «وإنا أو إياكم لعلى هدىً أو في ضلال مبين» ولم يكن ذلك شكًا وقد علم الله أن نبيه على الحق) [6] .
(1) سبا/ 24.
(2) الزمر/ 14.
(3) راجع كتاب (الحقوق الدولية الإسلامية) . لخليل خليليان ص 242
(4) يونس/ 41.
(5) بقرة/ 139.
(6) الاحتجاج للطبرسي من علماء القرن السادس ـ طبعة الاعلمي ـ ص 188.