البيئة بمكوناتها ومواردها كائنات خلقها الله أو خلق أصولها، ووضع تشريعات تحميها، وتحقق الغايات النبيلة من وجودها، ووضع لها نظاما تنمو وتسير وفقه، وحدد للإنسان قوانين التعامل معها، فالكائنات البيئية مخلوقة لله كالكائنات البشرية {وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُم مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ} (الأنعام:38)
ترتبط قضايا البيئة وفق المنظور الإسلامي بالعقيدة والإيمان كما ارتبطت بالتشريع والتهذيب والأخلاق، فكل ما يجري في الكون يقع ضمن ملكوت الله، فيكون أو لا يكون بقدرته وإرادته وعلمه سبحانه وتعالى، فالمخلوقات تخضع للقوانين الإلهية في أصل وجودها واستمراره وفنائه، يقول عز وجل: {أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنزَلَ لَكُم مِّنَ السَّمَاءِ مَاء فَأَنبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَّا كَانَ لَكُمْ أَن تُنبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ} (النمل 60)
ويقول: {أَمَّن جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ} (النمل 61) [1] .
فالكائنات البيئية آيات دالة في عالم المنظور والمشاهد على قدرة الله ووحدانيته، وسعة علمه، ويفترض أن تقود الإنسان من خلال التدبر والتأمل نحو الإيمان بالله، وحسن عبادته، ليخضع لنظام خالقه في سلوكه الإرادي كما خضع هو والكائنات لله فيما لم يملكوا نحوه حولا ولا قوة، يقول تعالى: {وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاء إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ} (الزخرف:84) ، ويقول: {رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ الْمَشَارِقِ} (الصافات:5)
فالشمس شاهد كوني للخضوع لنظام خالقها صباح مساء، فلها في كل يوم مشرق ومغرب، تسير وفق نظام محكم في منتهى غايات الدقة، وكل ذلك كائن بقدرة الله وإرادته سبحانه. وقال سبحانه: {فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [2] (الجاثية: 36)
* البيئة تسبح بحمد ربها
الكائنات البيئية كبقية مخلوقات الله تسبح بحمد ربها وتنصاع لأمره وتهتدي بهداه: {تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ وَلَكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا} (الإسراء:44) ، {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِّنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَن يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ} (الحج: 18) ، {وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ .. } (الأنبياء 79) ، {إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ} [3] (ص: 18)
* كل شيء خلق بقدر
خلق الله عناصر البيئة بمقدار، مصداقًا لقوله تعالى: {إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ} (القمر:49) وقوله: { ... وَكُلُّ شَيْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ} (الرعد:8)
(1) . ... فالله جعل الأرض قرارا لا تميد بأهلها (وجعل خلالها) فيما بينها (أنهارا وجعل لها رواسي) جبالا أثبت بها الأرض (وجعل بين البحرين حاجزا) بين العذب والملح لا يختلط احدهما بالآخر.
(2) . ... العالم ما سوى الله، وجمع لاختلاف أنواعه التي تسير وفق نظام الله وسننه في الخلق.
(3) . ... (العشي) وقت صلاة العشاء (والإشراق) بعد شروق الشمس ووقت صلاة الضحى.