ثم إن عقود البناء والتشغيل تتعلق عادة بمشاريع كبيرة تتطلب أموالا هائلة، وقد لا تستطيع الجهة الصانعة أن تتحمل هذه النفقات من جيبها الخاص، فتحتاج إلى تمويل من المؤسسات المالية على أساس القروض الربوية، أو من الشعب على أساس إصدار السندات الربوية. وكل ذلك حرام في الشريعة الإسلامية لحرمة الربا. فماهو البديل لتمويل الجهة الصانعة؟
والجواب: أن الجهة الصانعة يمكن لها أن تستفيد بأي طريق من طرق التمويل الإسلامي من المشاركة، والمرابحة، والإجارة وما إلى ذلك. أما المرابحة فيمكن تطبيقها في جزئيات المشروع، فيمكن أن تشتري المواد الخام للمشروع عن طريق المرابحة، كما يمكن أن توفر آلات ومعدات للمشروع، بأن تشارك مؤسسة أو مؤسسات مالية بطريق التمويل المجمع في المشروع.
المشاركة بطريق التوريق
وإن التمويل على أساس المشاركة يمكن بطريق التوريق ( securitization) أيضًا، فيجوز للجهة الصانعة صاحبة الإمتياز أن تصدر صكوكا يساهم بها حملتها في المشروع، ويحق لهم الاستفادة من الموارد المالية التي تحصل بفرض الرسوم على المستخدمين.
ويجوز إصدار هذه الصكوك قبل الشروع في بناء المشروع، فتكون الصكوك صكوك المشاركة التي تمثل لحملتها الحصة الشائعة في جميع العملية، فكأن مجموعة حملة الصكوك هم الذين دخلوا في عقد الاستصناع مع الدولة، وبذلك يساهمون في جميع حقوق الجهة الصانعة والتزاماتها، ويشاركونها في الموارد المالية الحاصلة من منفعة المشروع.
وكذلك يجوز إصدار الصكوك بعد اكتمال المشروع، وحينئذ تكون هذه الصكوك ممثلة للحصة الشائعة في المنفعة التي حصلت عليها الجهة الصانعة ثمنا للاستصناع، وحاصل ذلك أن المنفعة أصبحت مملوكة للجهة الصانعة لمدة متفق عليها، فيجوز لها أن تشرك الآخرين فيها لقاء عوض مالي، فيكون مثل أن يملك رجل منفعة مجمع سكني باستئجاره من المالك، ثم يدخل الشركاء في حصصه الشائعة قبل إجارة شققه إلى المستأجرين النهائيين.
وليس هذا من قبيل إجارة ماهو مؤجر من قبل، حيث لايجوز، لأن المنفعة في تلك الحالة انتقلت إلى المستأجر فلا يملك المالك إجارته مرة أخرى، ولا يكون إلا بيعا للأجرة المتوقع لها من المستأجر الأول، وذلك غير جائز.
أما في موضوعنا، فإن منفعة المشروع باقية في ملك الجهة الصانعة، ولم تنتقل إلى أحد، والذين يستفيدون من المشروع فإن استفادتهم جزئية وآنية. فإذا كان المشروع جسرا أو طريقا معبدا فإن منفعتهما مملوكة للجهة الصانعة بحق الامتياز، والذين يمرون على الجسر أو على الطريق المعبد، فإن المنفعة لا تنتقل إليهم، وإنما يستفيدون بها استفادة جزئية وآنية. فإن أدخل مالك المنفعة شركاء جددا، فلايقال إنه ملكهم حصة من المنفعة التي انتقلت إلى المستأجرين، بل إنه يملكهم حصصا في المنفعة القائمة بيده، ولا محظور في ذلك.
على هذا، يجوز لمالك هذه المنفعة أن يصدر صكوكا تمثل حصصا شائعة في هذه المنفعة، ولما ملك حملة الصكوك حصصا من المنفعة فإنهم يستحقون حصصا شائعة من الرسوم التي تفرض على من يمر على الجسر أو على الشارع، وبما أن هذه الصكوك تمثل ملكية في المنفعة دون مبلغ مالي، فإنه يجوز تداولها في السوق الثانوية.