الحديث، وكان الحديث في ذلك الوقت له رونقه، وله شهرته، وله أئمته، وله مثلما نقول: (الصولة والجولة) في ذلك القرن، والقرن الذي قبله، وسمع من مشايخ بلده، خصوصًا من والده، ومن أبي زرعة الرازي، وسمع من مشايخ كثيرين في الري؛ لأنه يُقال لهم: [الرازي] نسبة إلى [الري] وينسبون إليه الرازي لئلا تتوالى الياءات؛ فيستثقلون هذا وإلا فالبلد اسمها: الري، ويُنسب إليه: الرازي.
إذًا هو رحمه الله قضى عمره كله في العلم، ولم يكنّ لوالده عقب إلا عبد الرحمن، توفي أولاده الذين أتوه قبل عبد الرحمن، فعَنيَ به والده عناية شديدة، وذهب به للحج سنة خمس وخمسين، فيكون عمره حينئذ خمسة عشر عامًا، واحتلم قبل أن يُحرم، قبل أن يصلون إلى ذي الحُليفة، ففرح والده؛ لأن البلاد بعيدة؛ فرح لتكون حَجة الإسلام، وهم يصنعون هكذا: الحج حج وأيضًا طلب للعلم، فرجع بعد الحج ثم استأذن والده ليرحل لوحده وهو صغير لكن مع بعض الرفقة، وأدخل بعض -الوساطات- ليُقنع والده بأن يذهب للرحلة إلى المشرق؛ فاقتنع والده وأذن له، بشرط أن يرجع في وقت كذا؛ لئلا تطول غيبته عنه فقد كان يُحبه رحمه الله، وليس له ولد غيره، فذهب إلى الشام، وإلى مصر، وإلى العراق وهو صغير وله قصص في حفظ الوقت؛ لأن والده شرط عليه أن يعود في وقت معين، وكان يُريد أن يسمع ويسمع، ويسمع، ويدور على الشيوخ، فهناك قصص مذكورة في ترجمته رحمه الله، وفيها عظة، وعبرة لنا، ولطلاب العلم، ألا نستكثر ما نبذله من وقت في سبيل العلم؛ لأن بعض الباحثين، أو بعض الأخوة مثلًا في رسالته، أو في بحثه يقول: قضيت كذا، وفعلت كذا، ويذكر الصعاب التي واجهته، وفي الحقيقة هي صعاب لا تكاد تُذكر في مقابل ما بذله هؤلاء الأئمة رحمهم الله تعالى.
وعبد الرحمن أيضًا لم يُعقِب، فليس له ولد ولا ذُرية، ويُقال والله أعلم أنه -تزوج هو- ولم يقرب زوجته رضي الله عنها وأرضاها، وكانت أيضًا امرأة عابدة، صالحة، فالظاهر أيضًا أنهم كلهم اشتغلوا بالعلم والعبادة عن الذرية والأولاد، وقد يكون هناك مُسببات أُخرى، فما الذي حصل؟ الذي حصل هو هذا الإنتاج العلمي الكبير من هذا الإمام، مؤلفات كما يقال [بالجملة] ومؤلفات كبيرة مثل [الجرح والتعديل] فنحن اليوم نحتاج إلى جماعات حتى يؤلفوه، التفسير، العلل، المراسيل، وكتب كثيرة جدًا ولكن لم تصلنا، هذا هو الابن عبد الرحمن ابن أبي حاتم.
• الإمام الثاني الذي هو أحد قُطبي هذا الكتاب هو والده أبو حاتم الرازي: والد ابن أبي حاتم؛ لأن الكتاب كما تعلمون عبارة عن أسئلة أكثرها من ابن أبي حاتم والجواب من أبيه، أو من رفيق أبيه وهو أبو زرعة الرازي، فالأجوبة والحاصل من هذا الكتاب هو لأبي حاتم رحمه الله تعالى، وهو اسمه محمد ابن إدريس الرازي أيضًا، وكنيته: أبو حاتم، وهذه