والمصلحة التي يجب على الإمام أن يهيئ وسائل تحصيلها، والمفسدة التي يجب أن يهيئ درأها، يجب أن يكون مصدر تحديدهما الشريعة الإسلامية.
فما اعتبرته الشريعة مصلحة فهو مصلحة، وما اعتبرته مضرة فهو مضرة، وليس مصدر تحديد المصلحة أو المفسدة، أهواء الإمام أو الرعية التي تخالف شرع الله، لأنهما لو جعلتا من حق الإمام أو الرعية مطلقًا لحصل في تحديدهما اختلاف عظيم لاختلاف ميول الناس وشهواتهم اختلافًا متباينًا.
إذ ما يراه بعضهم مصلحة، قد يراه الآخر مفسدة، وما يراه بعضهم مفسدة، قد يراه بعضهم مصلحة.
وبناء على ذلك سيختلف الوزراء فيما بينهم ومع الإمام، وستختلف الرعية فيما بينها ومع المسئولين من موظفي الدولة، وسيزعم بعضهم أن المصلحة أو المفسدة تقتضي إباحة شيء، ويزعم الآخر أنهما يقتضيان تحريمه، وستضطرب بذلك الأمور ويختل النظام وتنتهك حرمات الله، بسبب إسناد تحديد المصلحة والمضرة إلى غيره تعالى.
وخلاصة الكلام: أن الحلال ما أحله الله وليس لأحد تحريمه، والحرام ما حرمه الله وليس لأحد تحليله..
وإذا تعارضت مفسدتان لا تركهما جميعا، وجب ارتكاب أخفهما.
وإن تعارضت مصلحتان لا يمكن تحقيقهما، وجب تقديم أعظمهما نفعا، والتحديد في كل ذلك يرجع إلى القواعد الإسلامية.
والمعنيون بالبحث والموازنة بين المصالح والمفاسد، هم علماء الأمة المعروفون بالورع والتقوى وخشية الله، والتضلع من العلوم الإسلامية أصولها وفروعها، الذين لا يخافون في الله لومة لائم بل يقولون كلمة الحق ولو على أنفسهم، يضاف إليهم أهل الاختصاص في الشئون التي لا يصح تصورها إلا عن طريقهم، كالطب والفلك والاقتصاد، وشئون الحرب....
هؤلاء هم الذين يجب أن يسند إليهم البحث في مصالح الناس ومضارهم، وهم أهل الحق في تعيين المصلحة والمفسدة، وعلى ضوء بحثهم واجتهادهم يجب على الإمام أن ينفذ ما أشاروا به.