فهرس الكتاب

الصفحة 54 من 157

المتعارضة مبشريننا بآخرةٍ تغمرُها الجنّةُ الموعودة التي أعدت لنا للمتقين ... مكتفين هم بنعيم هذه الدنيا ... وربما حجزَ بعضهم قصورًا في ذلك الحلم الممطول ... أمّا الحرّيةُ في لغتنا في حياتنا فبلا مدلول لها وحتى لو أتيحت لنا، لا سمحَ الله، لَحِرْنا بها، ولما عمِلْنا بها لأنَّ الحريَّة مسؤوليةٌ ضخمة، تضع على عاتق الإنسان الحر مسؤولية وجوده، مسؤولية خياراته ونحن ما اعتدنا على الحريَّة، فماذا نصنعُ بها، إنّها عبء يثقل كواهِلنا ولا نقوى على حمله، وهذا ما صنعته إيناس بنفسها بحياتها، سمَّمتها، وأتعست نفسها ومن حولها، لقد ناضلت من أجل الحريَّة حريتها هي، ولمّا ملكتهما ضاعتْ وضلَّت عبر سراديب النفس المظلمة ... حقُّ أن نحلمَ بالحرّية ونثور من أجلها، ونفكر فيها ولكنَّنا لا نستطيع أن نمارسهَا، لأنهامسؤوليَّة صعبةٌ، تحتاج إلى فهم عميق، وإرادة صلبة، وثمنٍ باهظ لا نستطيع دفعَه، ولم ندفعه، على امتداد مجرى التاريخ، لأنَّنا مجتمعٌ أبويٌ، بطريركي، نصنعُ كلٌ في أسرته مايشاء، فهو الربُّ والأبُّ ... وهكذا ضلَّت إيناسُ، وضاعت على دروب الحرية، وشقيت وأشقت كلَّ مَنْ حولها من أصدقاء وأعداء.

قصة إيناس ... صحيح من الناحية النظريَّة إنَّها قصَّةُ فتاةٍ متمرِّدة على مجتمعها، على حياتها المكبَّلة بالقيود، تثقبُ بأظافر تمرُّدها وجه السماء، وتلغي كل مقولات الفكر السقيم، وتكسِرُ قمقمَ الجنس والخوف والخرافة، لصالح مقولات مثالية حُبلى بمواسم لا تثمر، ولا تسمن، ولا تغني من جوع ... بل تتكشَّفُ ثورتُّها عن أوجه حياةٍ سوادءَ قاتمة عبر دهاليز نفس إنسانية مريضة ومعتلَّة ... فخسرت نفسها، وروحَها، وجسدَها، وحرَّيتها لصالح أوهام وقيم مثاليَّة لا توجد إلاّ في عقول حفنةٍ من المهووسين الحالمين ببناء المدينة الفاضلة، وبلوغ النرفانا التي لابلوغ إليها، ولا طريق ... لصالح قيم عصر النهضة الأوروبية الذي تصرَّم منذ قرون متعددة.

ربَّما كانت حياةُ إيناس، قصةُ إيناس، أوراقًا حقيقية ممهورةً بأحداث عمرها المندثر، وأنامل جسدها الفاني ... أقول ربَّما ... فالإنسان هو أفكارهُ، ودواتهُ، ورحلةُ أصابعه على الورق ... وعقدةُ إيناس، شكوَى إيناس هي أنَّها أنثى، ولم يخلَّف أبوها غيرها، سمعتها مرارًا ومن أكثر من فم: ليتَها كانت ولدًا، لما خفنا عليها ... وَسمتْ هذه المقولةُ، فكرها بميسم من نار، وأشعلتْ بداخلها آلاف الحرائق ... وليس جديدًا أن تحترق امرأة في هذا الشرق العجيب"فنصف تراب صحارينا معجون برماد الضفائر الطويلة والنحور المطعونة ... ,ليس جديدًا في منطق السكين والفأس أن تذبحَ امرأةُ على سرير ولادتها -كإيناس- أو على سرير زفافها- كغيرها من الأخريات .."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت