جذريّة وشاملة.
ويبرز التمايز المتعالي لهذه الفعالية، عنْ كافة أشكال النشاط الإنساني الأخرى، في كونها تستخدم وسائط مألوفة -مسموعة أو مرئية أو ملموسة- لتخرج منها ما هو غير مألوف. وفي صيغة حلم مستمرِ وفريدٍ يتجاوز الضرورة ... سواءٌ كانت هذه الضرورة من أصل كوني كلّي- أي ناجمة عن العمليّة الديالكتيكية الهائلة لحركة المادة- أو كانت من أصل بشري داخلي ومحدودٍ كتلك التي تنتجها -وتعيد إنتاجها باستمرار، وتحت مختلف الأشكال والصّيغ والتسميات- عملية الصيرورة المجتمعيّة والتطوّر البشريّ العام خلال التاريخ.
وإذا كنّا- من وجهة نظر المعاناة الإنسانية لتراجيديا الوجود البشري ذاته- نستطيع أن نلخص مفهوم"الضرورة/ الأساسي"على المستوى الكوني بأنّها: حتمية الموت ..
وإذا كنّا نستطيع إيجاز مفهوم الضرورة- بمختلف أشكالها وتسمياتها- على المستوى المجتمعي، وخلال التاريخ كلّه .. بأنّها: حتمية الصراع بين فئات المجتمع الواحد وشرائحه وطبقاته، وبين مجتمع وآخر، إلى أنّ تظهر في سياق التطور البشري مستجداتٌ مغايرة،
فإنّه يمكننا أيضًا أن نقول مؤكّدين: إنّ الضرورات جميعًا تتجلّى متراكبةً في ظواهر، كثيرًا ما ضلّلت العقل البشريّ عن إدراك حقيقة الضرورة- أو مركّب الضرورات- فيها.
وإنّ الفعّالية الإبداعيّة الأدبيّة والفنيّة على وجه التحديد هنا- قد تلمّست تلك الحقيقة بالحْدسِ الفرديّ القويّ، الذي يستثيره لدى المبدعين ذلك الحسّ العامُ بالكرامة الإنسانية وهو يتحرضُ كردٍ على إذلال الحتميات الكونية والمجتمعية للبشر، فيما هؤلاء ينمّطّون وجودهم عمومًا وفق مقتضيات الإستجابة لما تفرضه عليهم اشتراطات الظواهر من تحدٍ ومواجهة.
ملاحظة ... إنّنا نلمس هنا، أنّ ذاتَ المبدع- فيما هو يُبدع- تضربُ إلى ماهو أعمقُ جدًا من الظاهريّ الذي يستغرقُ فعّالية الآخرين. وهنا ينجلي لنا جوهر العملية الإبداعيّة على أنّه أساسًا سعيٌ لإنجاز الحريّة بالمعنى الفلسفي للكلمة.
فحيثُ تعجزُ الوسائط الماديّة للبشر في مستوى ما، مِنْ مستويات وجودهم، عن تجاوز حتميات واقعهم، يطمحُ الإبداع الأدبيّ والفنيّ إلى الاضطلاع بهذه