العرى ليس عرضيًا، فإذا كانت الوحدة مطلبنا كدعاة وعاملين للوحدة العربيّة، فأنّ التجزئة مطلب أعدائنا، ورأس حربتهم المستوطنون الصهاينة.
والحقّ أنّنا إذا كنّا نريد وحدة عربية على أرض الوطن العربي، فإنّ أهمّ معوّق لهذه الوحدة، ليس الحدود السياسية القائمة بين البلاد العربية -فقد ثبت في تجربة الوحدة عام 1958 أنّه ليس من الصعب إلغاء هذه الحدود -بل المعوّق هو وجود كتلةٍ من المستوطنين الصهاينة في قلب هذا الوطن ... ولو لم تكن هذه الكتلة من المستوطنين قائمة في قلب هذا الوطن العربي لأمكن التقدير بأنّ الأمّة العربيّة في مدّها الذي عرفته أيّام الخمسينيات. بمناهضة الاستعمار الغربي التقليديّ. لكانت مستطيعةً بناء وحدتها من نواة واحدة متصلة جغرافيًا من بلاد الشام ومصر.""
ولكنْ وللأسف الشديد"فإن المدّ العربي أيّام الخمسينيات، لم يستمرّ إلا سنواتٍ تحالفت فيها على الوحدة ظروف خارجية، استفادت من ظروف داخلية، بل واستثارتها".
ومن الجدير بالذكر أنْ ننوّه هنا إلى مد عربي آخر قبل مدّ الخمسينيات كان"في ثلاثينيات القرن الماضي، ومن لندن صدرصَكّ إعدام ذلك المدّ على النحو المعروف الذي تُجسّده وثائق دبلوماسيّة عديدة، أحراها بالتأمل تلك الكلمات القليلة التي خطّها (بالمرستون) يوم 11/ 8/1840م إلى (بونسي) مندوبه في إستامبول، يأمره فيها إخبار السلطان العثماني: أنّ الشعب اليهوديّ إذا عاد إلى فلسطين بموافقة السلطان وحمايته، وبناءً على دعوته، فسيكون هذا الشعب اليهودي حاجزًا ضد أيّة مخطّطات شرّيرة لمحمد علي أو خليفته ... وبالطبع نعلم أنّ بالمرستون كان واعيًا جدًا لمغزى مجيء اليهود إلى فلسطين، ولم يكن أمر رسالته إلى ممثّله عابرًا، ذلك أنّه منذ عام 1833م كما نعرف الآن، أعرب عن مخاوفه من قيام محمد علي بإنشاء مملكة تضمّ المتكلمين بالعربيّة".
والآن ونحن على أبواب القرن الحادي والعشرين"نرى الشكل الجغرافي السياسيّ الذي حلم به (بالمرستون) قبل قرن ونصف -ونيّف- نراه واقعًا مهيمنًا كأقوى ما تكونُ الواقعية المهيمنة ... وليت الأمر وقف عند هذا الحد، ذلك أنّ أولئك الذين شعروا بأنفسهم من منطلق تكلمهم العربيّة. مادة موحّدة لدولة عربية، أخذوا يبعثرون ممالك ودولًا ومشيخاتٍ، ويبعثرون لهجات وقوميات. حتى انتهى شأننا، وسوء حالنا، إلى المادة السادسة من معاهدة السادات -بيغن، التي تجعل التزام مصر بكيان المستوطنين الصهياينة متقدّمًا على التزام مصر مع أيّة دولة"