إزاء هذا الوضع الذي نحن فيه، أقترح أن نتقدم خطوة أخرى إلى الأمام. فنضع علمنا العربي للسياسة متمحورًا حول موضوع واحد، هو الهوية القوميّة العربيّة، وما يشتق منها ممّا ينفيها، وهو الاستعمار والاستيطان الصهيوني الذي تتعرض له الأمّة العربية"."
موضوع العلم العربيّ للسياسة
قضية القومية العربية ووحدتها حجر الأساس في العلم العربي للسياسة من منطلق قومي عربي بحتْ، بأنّ العرب أمّة واحدة، وأنّ الوحدة العربية هدف أساسي لهذه الأمة، وأنّ في المنطقة العربيّة من المحيط إلى الخليج نزوعًا إلى الوحدة العربيّة، وأنّ العمل لتحقيق هذا النزوع واجبٌ علمي وسياسي وقومي وإنساني؛ أجِدُ أنّ بحثًا جديًا في مسألة تحديد الهويّة هو حجر الأساس في العلم العربي للسياسة.
وأجد أنّ"في وطننا العربيّ"ما يشبه التوتر بين دعوة قومية عربية نابعة من حاجاتنا اليومية والسياسية والقومية، وبين علوم اجتماعية مستوردة، تبدو بعيدة عنّا في همومها، غريبة عنّا كمجتمع، وإنْ كانت قريبة من كلّ واحد منّا كفرد عاقل.
نقول: إنّه كان ثمّة ما يشبه التوتر بين الدعوة القومية، وبين العلوم الاجتماعية، وكان هذا التوتر ملاحظًا في، الموضوع، وفي الأسلوب:
أ-ففي الموضوع لم تركز علومنا الاجتماعية على مبحث الهويّة، وهو المبحث الأول في الدعوة القومية: هل نحن عربٌ؟ أم لا!
ب-وفي الأسلوب كان موئل الدعوة القومية الشخصيات والحركات والأحزاب السياسية، وكانت لغتها عمومًا عاطفية، أمّا العلوم الاجتماعية فكانت الجامعات معقلها، وكان القيّمون عليها بالمفهوم العام، نخبة مستنيرة بعيدة عن السياسة، مترفعة عمّا يُدْعى بأهوائها ... ونتيجةَ هذا الانفصام بين الدعوة القومية، والعلوم الاجتماعيّة، شهدنا إشكالات فكرية ربّما كان أجلى ما ظهرت به في معهد الدراسات العربية العليا الذي أسّسه في القاهرة المفكر القومي الكبير المرحوم الأستاذ ساطع الحصري""
ونحنُ اليوم كأمّة عربيّة"في وضع غير طبيعي كأمّة، من الواضح لدينا جميعًا، كما أظنّ، أنّ عُرانا كأمّة تتمزّق، وأنّنا إنْ استمررنا فيما نحن فيه، فقد يُعلن كلّ حي من أحيائنا نفسه أمة، وكلّ قرية قارة ... وثمّ إنّ ما يعترينا من تمزق"