والأمور هادئة. حتى الموت والجريمة لا يثيران الدهشة. كل شيء ساكن وهادئ وجميل ورومانسي. توجد خلافات بسيطة بين العمال وأرباب العمل سرعان ما تزول ويعود كل شيء إلى حاله.
أربيل 1979.
طوال الأبدية كلها:
مليكتي الغالية. إني موقن بأنك ستنهضين معي الآن. وفي الغد نرفع رايتنا. ربما سيهاجموننا بالرصاص.وسوف تخترق رئاتنا وأفئدتنا رصاصاتهم. رفاقنا سيأخذوننا إلى هناك. إلى تلك الحديقة التي التقينا فيها على انفراد أول مرة. وسيجاور جسدي جسدك أيام وليال معدودات، وسينصهران معًا. ويصبحان ورقة خضراء لها شكل القلب.وسوف تكبر الورقة وتتسع مثل ضحكة طفل.وستحملها الريح الباردة الخضراء.وتهبط في كف مغنٍ ظل يغني في ليل الجوع والحزن والأنين إلا أنه لم يهاجر.
بغداد 1976
المكيدة:
"ثمة وفيات ووفيات، وفيات لا يمكن بل من الحقارة أن تغفرها للعالم". جيمس بولدوين.
عيناه، الآن، حزينتان، يطوف في الأزقة الضيقة، يستبدل الملابس المستعملة بصحون من الخزف الصيني. تزكم أنفه روائح المياه الآسنة. يتعثر بصناديق القمامة. نسوة يلبسن السوداء ينشرن الغسيل في الشرفات الخشبية.
تحاصره صورة أمه العجوز التي تبحث عن عظم في صحن حساء، في المقهى يشرب الشاي المر ويدخن تبغًا رديئًا.
يجتاز السوق القديم، المسقوف، يرى صبيان يلملمون بقايا الخضار المرمية على أرض السوق.
يعود لداره الصغيرة، المؤجرة، يجلده منظر طفله الباحث عن قنينة حليب، طفله الرضيع ملفوف بخرقة بيضاء.
ثقيل هذا الليل، مسربل بالكآبة والحزن. السماء بلا قمر ولا نجوم. في صدره، وصدر زوجته، استقرتْ الطلقات الوحشية، وافتضتْ عذرية الضلوع.
الليلة غادر الكرى الأجفان، ظلت عيونهما مفتوحة في الظلام، الجسدان مستلقيان في صمت حجري. غريب هذا الليل وموحش، وغريبان هما الآن عن القبلات والفرح والطمأنينة.
يستلقيان على سرير واحد. كل منهما يواجه جدارًا صدئًا.
تقلبتْ زوجته، ولمست رمانة كتفه. تقلب هو، أيضًا، فواجه عينيها الدامعتين.
قالت بنبرة حزينة:"هل غفوت؟"..
وضع كفه الخشنة تحت وجهها الأسمر الناعم.
قال مرزوق:"أتريدينني أن أغفو؟!"..
قالت غرنوقة:"هل كنا نتوقع ماحدث؟".
رد مرزوق:"لا، لم نكن نتوقع أبدًا.".
جلستْ في السرير فيما ظل مرزوق نصف مستلق.
أخذت غرنوقة وليدها إلى المركز الصحي. كانت الحافلة بطيئة. ترفع عباءتها بين حين وآخر، تتطلع في وجه طفلها الذابل، كان يتنفس ببطء شديد.