فهرس الكتاب

الصفحة 23 من 77

الفرنسيون يصطافون في سان تروبيز والكوت دازور. يقرؤون سارتر وكامو ولورنس. يحتسون الروم، والويسكي، والبراندي. يأكلون الكافيار. وبكلمة واحدة:

كل شيء على مايرام.

هل كانا يحلمان بالفردوس؟

أجل. أجل.

كانا يركبان عربة يجرها حصانان قويان. العربة تطير. تشق كتل الغيم. الريح الوديعة تهب. تلاعب عرفي الجوادين. شعر مليكة يتطاير. يلف ذراعه القوية حول عنقها. يضحكان بمرح طفولي يحدقان مندهشين إلى الأبراج العالية والشرفات السامقة. يجيلان البصر هنا وهناك. آ. عاملات النسيج يركبن الحافلات، إنهن، إذًا ذاهبات إلى العمل. آ. تلك هي جنائن بابل المعلقة… انظري يامليكة صيادو اللؤلؤ الكويتيين يأكلون التفاح في حقول بعلبك. لكن ماذا يجري هناك؟ هو ذا السيرك المصري يزور حقول البطاطس في الجزائر…. يلتفتان للوراء.. يشاهدان مئات العربات. عربات يركبها عمال من كل الأقطار.. أنحن في حلم، عزيزي؟ ماذا هناك في الوادي الفسيح. انظري هناك. عمال سودانيون

يرقصون على أنغام الطبول الأفريقية. أتسمعين

جيدًا؟ إنهم ينشدون للحب والشباب والمطر..

ما أروعه من مشهد.. شيوخ مرحون ينشدون مع

أبنائهم وأحفادهم. وهم منفرجو الأسارير..

يا لؤلؤًا ولد من محارات أمه. يامن تكون وتبرعم وأزهر وأثمر من لهيب القبلات. أتحب هاتين الزهرتين البديعتين من وطن والديك، من وطن حبيبيك؟ سنزرعهما في كفيك. سنزرعهما كي تبقى تحمل في كفيك الطيبتين تاريخ الوطن، ذكرى الوطن. يهتز رأسه بالإيجاب ويشرق وجهه بالفرح.

ما زلتِ صامتة يامليكة. ماذا؟ تبكين؟ عزيزتي، كنا نحتفظ معنا بحفنةٍ من تراب الوطن. ولكن مذ غبتِ عن ناظري، عن كفيّ المعروقتين مذ غابت شفاهك الطرية عن أصابعي الراعشة، غابت حفنة التراب. أذكر يا مليكة أنها كانت في قفاز بدلة العرس الأبيض. الحفنة ضاعت

يامليكة. وضاع ثوب العرس. عزيزتي وطننا لا يضيع..

لا يضيع.. ماذا سيحصل لو ولد طفلنا هنا؟ حتمًا

كانوا سيسرقون بسمته، ضحكته، براءته، مثلما

موفورو الصحة، اسمعي يامليكة. تصفيق حار. وزغاريد النسوة في الحقل. يالصوتك الرائع يا فيروز! يالكلماتك الجميلة!

يجن الليل. يجدان سريرًا كبيرًا لامعًا برمانات نحاسية. سريرًا بفراش وثير وشراشف موصلية. فراش ناعم, وسائد وردية من ريش النعام. يرتميان على السرير، ويقبلها في ثغرها. تطوّق الغرفة الغصون الكثيفة والقناديل المضاءة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت