في الثاني من شباط (فبراير) ، كان الطقس شديد البرودة، الريح عاتية. ارتدى العمال معاطفهم السود، وتجمعوا في انتظار القفص الحديدي الذي سيهبط بهم إلى القاع. لم يكن الفجر قد انبلج، والنجوم مازالتْ تتألق في السماء.. دخل خمسة منهم في القفص. كان أحدهم يشعر بالتعب والنعاس لأنه ظل يسعل طوال الليل، ولم يغمضْ له جفن.
كانت خليتهم تتكون من خمسة مخلوقات بائسة، مقهورة، شاحبة، هزيلة وذاوية. خمسة عمال يستخرجون الفحم بالجاروف،فيما تقوم خلية أخرى بسحب الفحم ومن ثم يضعونه في عرباتٍ صغيرةٍ تدفع بعدئذٍ في ممرات ضيقة.
في خلال العمل الشاق تكون وجوههم ملطخةً بتراب الفحم، وأجسادهم مكسوةً بطبقةٍ لزجةٍ من القذارة، كانوا يبدون بوجوههم الداكنة السود، ووجناتهم الغائرة، وأفواههم المفتوحة، وألسنتهم الحمر المتدلية جراء التعب والإعياء ـ يبدون وكأنهم خارجون من القبور.
لم يكونوا يتوقفون دقيقةً واحدةً عن العمل. تعوّدوا العمل الشاق. كانت نظرات رئيس العمال تطاردهم طوال الوقت، تحصي شهيقهم وزفيرهم. كانوا يتنفسون الهواء الفاسد والملوّث.
كان رئيس العمال يستكثر عليهم فترة الاستراحة وتناول وجبة الطعام. ينظر إليهم شزرًا وهم يفتحون الصرر ويتناولون شرائح الخبز والجبن المملح ويشربون
المقبرة مظلمة يا مليكة. الليل موحش مثل عينيك. والنجوم أيضًا. إذ كان القمر الجميل يغازلها ويهمس ناعسًا. يوميًا أقبل إلى المقبرة. وفي كل مرة يخيل لي إنك جالسة على العش الندي. ترتدين ثوبًا ورديًا شفافًا كالماء. جالسة تنتظرين حبيبك، زوجك، بحارك. يوميًا، يخيل لي إني أسمع صوتك العذب يحدثني عن جنة العمال.
هناك، في الفردوس الأزرق، هل ثمة عصافير ناعمة مثل نهديك؟ هل يكثر الزهر الطري الرقيق الفوّاح مثل شفتيك؟.. هناك أيضحك الأطفال كالفجر ويملؤون الساحات كالطيور البيض؟ هه، حلوتي، هل تبدلتْ الأرض، الأرض حين ضمكِ رحمُها؟.. وهل ستلد أطفالًا لهم لون عينيكِ وسمرة بشرتك القمحية؟ هل ستصنع الأرض من كفيك ماءً عذبًا يتدفق من
القهوة المرة.