إن القراءة للمختارات العشوائية السابقة تقودنا إلى وضع تصور أوليّ لواقع البنية"المدنية"المعيشة مع أوائل الألف الثاني قبل الميلاد، ليس فقط في بلاد الرافدين، بل وفي البلاد الشامية بداخلها وبسواحلها، وفي بلاد النيل والشمال العربي الافريقي"الليبي"وتوضح أن السيرورة المجتمعية ببنيتها المعرفية هي كل متكامل، مترابط في البنية المعتقدية"الميثولوجية"وتتداخل مع الواقع الاجتماعي واللغة والآداب وغيرها، لكن هذا الاكتمال لم يبلغ ذروة نموّه إلاَّ مع القرن السادس للميلاد وظهور الرسالة المحمدية.
لذلك كانت مقاربتنا وتصنيفنا للمراحل التاريخية قد أخذت بالاعتبار تداخل كل المكونات البنائية في السيرورة المجتمعية. والمتابع لنا في الفصول القادمة سيجد نفسه بصورة أو بأخرى مقتنعًا معنا بأن التاريخ العربي ببعديه الشاقولي والأفقي يشكل ببيانه الحلزوني الصاعد بناءً متماسكًا لايمكن عزل أو فصل عناصره عن بعضها إلاّ اشتراطيًا، وبهدف الدراسة التحليلية.
فإذا كانت اللغة الشكل المتحرك للفكر، والزمان النموذج المتحرك للأزلية، فهل يمكن أن تقف اللغة أو الزمان"التاريخ"عند حدٍّ معين للتطور، تتحول الأشياء بعدها إلى مومياوات؟.
هنا لابد من إعادة القراءة بالنموذج"أو عبر المنهج"المعرفي الذي يأخذ بالأهمية والاعتبار/ المقدمات القبلية والنتائج البعدية التالية لها، ضمن الفعل السيروري الاجتماعي. وهو مايصل بنا هنا إلى قراءة مفهوم الهوية قراءة معرفية أكثر عمقًا من القراءات السياسية والايديولوجية وغيرها.