فهرس الكتاب

الصفحة 7 من 122

إنّ كلًا من أبي نواس وأبي تمام ثار على عمود الشعر، لكن الخصومة لم تعنف إلاّ حول الثاني، لأن ثورة الأول بقيت في حيز التنظير، بينما انتقلت ثورة الثاني من التنظير إلى التطبيق.

وممّا مهّد للخصومة حول شعر أبي تمام دون أبي نواس أيضًا، عدم وضوح مذهب نقدي لمعاصري الثاني ولاحقيه. فالذين"عاصروا أبا نواس وجاؤوا بعده من الأدباء والشعراء وأئمة اللغة، لم يكن لهم في النقد مذهب معروف أو خطّة واضحة" (21) .

ولعل"كتاب البديع"لابن المعتز (- 196) أول محاولة مكنت للخصومة بين القدماء والمحدثين، وتركت أثرًا واضحًا في كتب النقد فيما بعد. لقد كانت هذه المحاولة"من أكبر الأسباب التي مكنت للخصومة بين أنصار القديم وأنصار الحديث، إذ أصبحت مبادئ المذهب معروفة محدّدة. والناظر في موازنة الآمدي (- 370) أو في"أخبار أبي تمام"للصولي (- 335) أو في وساطة الجرجاني (-392 ) ، أو في غيرها من كتب الأدب، يجد أن ابن المعتز قد أثر على هؤلاء جميعًا. ولو لم يكن له من فضل غير تحديد الاصطلاحات، لكفاه ذلك ليتمتع في تاريخ النقد العربي بمكانة هامة" (22) .

لكن الخصومة حول مذهب أبي تمام، ما كان لها أن تتخذ شكلها النقدي العنيف الذي اتخذته، لولا ظهور البحتري . ( 23) . فكان بذلك أمام النقاد نموذجان من الشعر، أحدهما يمثل القديم، والآخر يمثل الجديد. إنّ وجود هذين النموذجين معًا، وفي آن واحد، وكون أبي تمام أستاذًا للبحتري (24) ، كان لهما دور كبير في احتدام الصراع حول مذهب التجديد .

وربما كان لعقيدة أبي تمام وشهرته أيضًا دور في نشأة الخصومة حول مذهبه."فقد أدّعى قوم عليه الكفر بل حققوه، وجعلوا ذلك سببًا للطعن على شعره، وتقبيح حسنه" ( 25) ويردّ الصولي - بعد ذكر هذه التهمة - على أصحابها، بقوله:"وما ظننت أن كفرًا ينقص من شعر، ولا أن إيمانًا يزيد فيه." (25)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت