فهرس الكتاب

الصفحة 41 من 122

بقي علينا أن نشير إلى أن عناية أبي تمام بمعانيه والبحتري بألفاظه، جعلت الكثير من النقاد يقصرون إبداع الأول على المعاني، والثاني على الألفاظ، وإن كانوا قد انتبهو إلى عناية الأول باختيار ألفاظه، والثاني بانتخاب معانيه. يقول ابن الأثير:"فأبو تمام ربّ معان وصيقل أذهان، وقد شهد له بكل معنى مبتكر، لم يمشِ فيه على أثر... أما البحتري فإنه أحسن في سبك اللفظ على المعنى، ولقد حاز طرفي الرقة والجزالة على الإطلاق.. وأتى في شعره بالمعنى المقدود من الصخرة الصمّاء، في اللفظ المصوغ من سُلافة الماء..." ( 112) .

ويبقى الشعر، أخيرًا، إبداعًا لغويًا، أداته الرئيسة اللفظ، ومادته المعنى. ولمّا كان كل شاعر يسعى إلى الأصالة والتفرّد، كان لابدّ له أن يطوّر في لغته ومعانيه، وإلاّ بات نسخة طبق الأصل عمّن تقدّمه، فالشاعر يخلق لغته بالخروج على النسق المألوف، وبخروجه هذا يطوّر معانيه، إذ اللغة وعاء المعنى. وبذلك تصبح الصلة وثيقة بين الشعر والشاعر، فلايعود هذا مقلّدًا أو مقيّدًا بنماذج مألوفه، لها رصيد نفسي عميق لدى المتلقين. وبعودة حقوق الإبداع للمبدع، وبخروجه على تلك القيود، يصطدم بالآخر، فينشأ عن هذه الصدمة رفض ومعركة وخصومة.

ويبقى السؤال: أيهمّا أجمل، وأين تكمن الأدبية؟: في شعر معانيه مطروقة ولغته مألوفة، أم في شعر يصدمك في ألفاظه ويدهشك في معانيه؟ إن قيمة الإدهاش وما يرافقها من لذة ومتعة في الكشف، هي الحلقة المفقودة التي ينبغي البحث عنها في الحكم على الشعر. سواءٌ أوافق هذا الشعرُ مذهب الأوائل أم لم يوافقه ‍فنحن حينذاك في محراب الشعر حقًّا.

ز- الصورة الفنية

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت