لهذا وغيره يعتبر (محمد العيد) علما متميزا خاصة من بين الشعراء الجزائريين في القرن العشرين، بوفرة شعره ذي الموضوعات الكثيرة المتعددة والقضايا المختلفة، ونضاله به وصدقه، وإخلاصه لفنه، وللقضايا التي تناولها والموضوعات التي كتب فيها باختلاف في الأهمية بينها، كما وتعبيرًا وشكلًا، في غزارة مادة وجودة تعبير ومستوى تبليغ، فبات ديوانه الضخم الذي ضمّ هذا الشعر معلما بارزًا من معالم الحركة الثقافية عمومًا والشعرية في (الجزائر) خصوصًا، بكل ما في ذلك من نضال وأشكال طموح، وألوان انكسار أيضًا، فعكس في النهاية خاصة إبان الاحتلال الفرنسي ما اعتمل به المحيط العام، سياسيًا واقتصاديًا وثقافيًا واجتماعيًا، كما عكس أيضًا شخصية صاحبه ذات الرؤى الوطنية والقومية المتوثبة والروح الإسلامية الجياشة، والنفس المتشائمة أيضًا من جهة أخرى.
وهكذا تبدو لنا غزارة المادة، كما يبدو لنا تعدد الموضوعات التي كتب فيها الشاعر، والقضايا المختلفة التي عبّر عنها، في أوضاع عديدة وبرؤى كثيرة، كما نجد ذلك في ديوانه هذا الذي نشرته وزارة التربية أول مرة سنة 1967م، وأعادت نشره ثانيًا الشركة الوطنية للنشر والتوزيع في سلسلة (شعراء الجزائر) سنة 1979م وهي باسمها الجديد (المؤسسة الوطنية للكتاب) تعيد اليوم نشره في طبعة جديدة، إثراء للحياة الأدبية وتقديرًا لهذا الشاعر وجهده وفنّه.
ونحن إذ نتصفح هذا الديوان الزاخر نجدنا أمام ألوان شتى من الصور المختلفة، ومن التعبير عمّا هو وطني وإنساني وديني شخصي وغيره، عبر مختلف الموضوعات التي تتصدرها (الأدبيات والفلسفيات) وهي قصائد في الحديث عن الأدب والشعر وأصحابهما، ووصف المعاناة الشخصية المتعددة الوجوه، وقد اتسم معظمها بضروب من المناجاة وألوان من التأمل، فيناجي الشاعر بحر (الجزائر) وليلها، كما يناجي هزاره وليلاه التي تيمته فذاب فيها هيامًا، وأصلى بينها قلبه نارا:
أصلت القلب نارها ... وأذاقت حينها